سبل الفلاح في آية

عبير عبّاس المنظور/ البصرة
عدد المشاهدات : 4

إنّ المنهج القرآني في تحصيل الفلاح لخّصته الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:200)، وهذا المنهج يتمثّل في (4) فقرات بحسب تعبير الآية الكريمة بعد توجيه الخطاب إلى المؤمنين، وهي: 1ـ الصبر: (حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عمّا يقتضيان حبسها عنه)(1). 2ـ المصابرة: (من باب ـ المفاعلة ـ بمعنى الصبر والاستقامة والثبات في مقابل صبر الآخرين وثباتهم واستقامتهم)(2). 3ـ المرابطة: اسم مشتقّ من الرباط، أي ربط الشيء في مكان كربط الخيول مثلًا، وفي الاصطلاح بمعنى (مراقبة الثغور وحراستها؛ لأنّ فيها يربط الجنود أفراسهم)(3). 4ـ تقوى الله سبحانه: هي التي تجمع الفقرات الثلاث السابقة تحت ظلّها، أي أنْ يكون الصبر، والمصابرة، والمرابطة على خطّ تقوى الله تعالى، وفي ضمن نطاقها، فلا رياء، ولا أنانية، ولا تحقيق مصالح شخصية، وغيرها من الأمور التي تشوب أعمال العباد. وممّا سبق نستنتج أنّ سبل تحصيل الفلاح والنجاح تعود إلى ملازمة هذه القيم الأربع، فالصبر لا تخفى أهمّيته في تربية الفرد مفهومًا وسلوكًا، فقد جاء عن الإمام السجّاد (عليه السلام) أنّه قال: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمَن لا صبر له"(4). فـ(الصبر) يهذّب النفس، ويمنعها عن المعاصي، ويثبّتها على الطاعات، فهو جوهر تهذيب النفس وجهادها، أمّا (المصابرة)، فهي انطلاقة الصبر في تهذيب النفس، كالصبر مع الآخرين، سواء كانوا من الأعداء أو غيرهم، أمّا (المرابطة)، فتعني حماية الثغور من الأعداء مهما كان نوع الثغر: مادّيًا أم معنويًا، فالثغور المادّية هي الحدود الجغرافية التي يجب حراستها من التسلّل العسكري للأعداء، والثغور المعنوية يمكن تقوية حدودها من تسلّل الأعداء إليها، ومن مصاديقها التبليغ الديني، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أنْ يتسلّط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمَن انتصب لذلك من شيعتنا، كان أفضل ممّن جاهد الروم، والتُرك، والخَزَر ألف ألف مرّة؛ لأنّه يدفع عن أديان محبّينا، وذلك يدفع عن أبدانهم"(5)، ومن هذا المنطلق نستطيع أنْ نعمّم المفهوم على المصاديق الأخرى كمواجهة الإعلام المضادّ، والحروب الناعمة التي تستهدف العقيدة والفكر الأصيل، فمَن يتصدّى لهذه المَهمّة الصعبة، يُعدّ كالمرابط في سبيل الله على الثغور. وهنا يتبادر سؤال إلى الذهن: إذا كانت هذه المقدّمات الأربع كفيلة بتحصيل الفلاح، فلماذا عبّر الله تعالى عن تحصيل الفلاح في ذيل الآية الكريمة بـ(لعلّ) في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فـ(لعلّ) تفيد الترجّي والترديد، وليس الحتمية؟ والجواب واضح لمَن تأمّل وتدبّر آيات القرآن الكريم المنتهية بكلمة (لعلّ)، فهذا النمط من التعبير القرآني يظهر مع الأمور التي يحتاج تحصيلها إلى مقدّمات وشرائط، وتكون أساسية وجوهرية في تحصيلها، أي مَن التزم بتلك الشرائط والمقدّمات، فهو يحقّق الهدف، ومَن لا يلتزم بها لا يحقّق الهدف المرجوّ، وهنا تكمن عظمة القرآن الكريم، وإعجازه البياني، ودقّة التعبير في كلّ كلمة وكلّ حرف فيه. إنّ التأمّل في آية واحدة جمعت هذه السلسلة من الفقرات لتمثّل منهجًا كاملًا في تحقيق الفلاح، والصلاح، والنجاح على المستوى الفردي والاجتماعي لأيّ مجتمع كان، فكيف إذا طبّقنا المفاهيم القرآنية على الصُعد المادّية، والمعنوية، والفردية، والاجتماعية؟ ...................... (1) مفردات ألفاظ القرآن: ص٢٧٣. (2) تفسير الأمثل: ج3، ص٦٧. (3) المصدر السابق: ص68. (4) الكافي: ج٢، ص89. (5) الاحتجاج: ج٢، ص155.