هلِ التسامح ضعف أَم قوة؟

ولاء عطشان الموسوي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 4

للتسامح قوة عجيبة في تغيير النفوس، وهو صفة من صفات العظماء، أكّد الإسلام كثيرًا هذا المبدأ، فالتسامح مبدأ وقيمة إنسانية عالية، وخُلق رفيع ينعكس على سلوك الأفراد، فهو ينقّي القلب، ويعزّز من التعايش بين أفراد المجتمع، ويقرّب الأشخاص من بعضهم، وللتسامح أنواع: التسامح الديني، التسامح الاجتماعي، التسامح الفكري والثقافي، التسامح السياسي، وهذا يعني أنّ التسامح يشمل كلّ مجالات الحياة، وله أثره، فالتسامح الديني يسمح بالتعايش بين أصحاب الأديان المختلفة مع حرّية ممارسة الشعائر والتخلّي عن التعصّب، وأبلغ قول يشير فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ضرورة التعايش: "الناس صنفان: إمّا أخ لكَ في الدين أو نظير لكَ في الخلق"(1)، فتقبّل الآخرين والعفو من سمات الأشخاص المتسامحين التي يمتازون بها، لكن في المقابل نجد فكرة تنتشر في المجتمع ونشأت عليها الأجيال، ألا وهي أنّ المتسامح شخص ضعيف ولا يستطيع الردّ، وهي من الأفكار الشائعة الخاطئة، فالتسامح قوة لا يمتلكها إلّا القليل. وفي هذا الصدد طرحنا سؤالًا على مجموعة من النساء لنستطلع آراءهنَّ: إذا جاءكِ شخص كان قد آذاكِ أو أساء إليكِ في يوم ما وطلب مساعدتكِ، فكيف ستتعاملين معه وما سيكون ردّكِ؟ فكانت الردود كالآتي: أمّ سجّاد/ مدرّسة، قالت: الشخص قد أساء إليّ فكيف أستطيع مساعدته، ربّما ساعدته واتّهمني اتّهامًا باطلًا وضرّني، فأندم على مساعدتي إياه، وقد حصل معي هذا الموقف فسحبت نفسي؛ لأنّ هذه الشخصية بقيت تطعن بي، لكن عندما يسألوني عنها، فأنا أذكرها بكلام طيّب ولا أذكرها بسوء، فأنّي أفضّل الامتناع عن تقديم المساعدة، إلّا إذا عاد الشخص وهو نادم ومعترف بخطئه. أفراح حسن عليّ/ مشرفة تربوية أقدم أول: كلّ إنسان مهما حاول أنْ يعمل خلاف طبعه وأخلاقه الأصيلة، فلا يستطيع، وحتمًا سيعود إلى طبيعته وسيرته التي تربّى عليها، فبالنسبة إليّ وبعد طول التجارب، لستُ قادرة على ردّ شخص يحتاج إليّ ويطلب مساعدتي، وهذا ما أعدّه في كثير من الأحيان من نقاط ضعفي أنّني أسامح بسهولة. جميلة ناصر رضا قنبر/ مدير أقدم أول في ديوان الوقف الشيعي: أساعده قدر الإمكان، لكن لا أعطيه مساحة كبيرة، ولا أنسى الإساءة. وقالت رسل فيصل دلّول/ أستاذة مساعدة: إنّ الإنسان يرتفع بعفوه وصفحه عن الناس، مثلما قال رسولنا الكريم (صلّى الله عليه وآله): "وما زاد الله عبدًا بعفو إلّا عزا" (2)، فالأصعب على الشخص المسيء سكوت المُساء إليه، وامتناعه عن الردّ، وعلى الرغم من ذلك، إذا التجأ إلينا شخص قد أساء إلينا من قبل، فسنقدّم له المساعدة ولا نعامله بالمثل، بل نترفّع عن ذلك، مثلما قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (الأعراف:199). منال جعفر/ منتسبة في العتبة الحسينية المقدّسة: أتعامل معه بحسب نوع الأذى، فإذا كانت إساءته مغتفرة، أي بسيطة فبالتأكيد سوف أساعده وأقف إلى جانبه، لكن في بعض الأحيان الإساءة تكون كبيرة ولا يمكن أن أسامح عليها، وإذا كانت الإساءة موجّهة إلى أولادي، فهم عندي خطّ أحمر، ولا أستطيع أن أسامح مَن يؤذيهم. نجلاء الحسيني/ مرشدة تربوية أقدم أول: حدثت معي مواقف كثيرة من الإساءة، لكنّني لا أعير أهمّية لذلك، بل ألجأ إلى المساعدة الموجودة بفطرتي، ومهما أساء إليّ بعض الناس، فأبقى واثقة بأنّ الله سبحانه هو المنتقم الجبّار، ويجب أنْ نعذر المسيئين، فأنا أسير على هذا النهج في عملي وحياتي. رئيسة المهندسين سندس كريم: إنّ تقديم المساعدة للشخص المسيء قمّة الامتحان، ويعتمد على مدى نبل الشخص، فأنا لا أتردّد بتقديم المساعدة، لكن مع التحفّظ؛ لأنّ مساعدة المحتاج إلينا من أخلاق الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام). أوضحت أستاذة علم النفس سارة سلام قائلةً: من الناحية النفسية، إنّ ردود فعل الأشخاص تجاه مَن أساء إليهم قد تتأثر بعدّة عوامل نفسية، تشمل العواطف كالغضب والحزن، والدوافع الذاتية أو الأخلاقية، والحاجة إلى تحقيق العدالة وتطبيق نظرية المساعدة في هذه الحالة يوضّح أنّ تقديم المساعدة لا يحدث فقط استنادًا إلى الشعور بالرحمة، بل يعتمد أيضًا على موازنة التكلفة النفسية مقابل الفائدة المترتّبة على المساعدة، ومن ثمّ ستكون مسألة المساعدة في هذه الحالة مسألة نسبية وقيمية متفاوتة ما بين قيمة الشخص الطالب للمساعدة والظروف السابقة واللاحقة المحيطة بظرف المساعدة، واستعداد الفرد لتلبية الطلب، وإمكاناته النفسية والأخلاقية، فالتسامح يقوّي الأواصر بين أفراد المجتمع، ويقلّل من العنف، ويرتقي بالمجتمع، وليس من السهل التحلّي بهذه الصفة؛ لأنّها تحتاج إلى نفس قوية تتجرّد من الأحقاد؛ لذلك صار الجهاد الأكبر هو جهاد النفس. ............................... (1) نهج البلاغة: ج3، ص84. (2) منية المريد: ص193.