رياض الزهراء العدد 224 الحشد المقدس
الحشد والورد
هدأت أصوات الحرب، وأسدل الليل سدوله، تقدّم جنديٌ نحو بصيص نور يتسلّل من بين أنقاض أحد البيوت المهدّمة، متذرّعا بالبحث عن الماء، لكنّ خطواته كانت ثقيلة، تثقلها وطأة المعركة والإرهاق، توقّف عند باب بالكاد يستند إلى بعض الأحجار المتراصّة، وأخذ يجول ببصره بحثا عن أيّ أثر للماء، حتى لمح في عمق الركام آنية صغيرة فأسرع نحوها، وحين أمسك بها وجدها فارغة، ثم سقط على الأرض من شدّة الإعياء متهاويا بين وعي يغيب ويعود، وفجأة سمع أنينا خافتا ينقطع ثم يعود، كأنّه صوت من عالم بعيد فظنّه في البداية ضربا من الهلوسة من آثار التعب. عاد ليستلقي فوق تلك الأحجار الباردة، يحدّق في السماء بعين غافية استسلمت لنوم طويل. شعر بحركة خفيفة تحت يده، ثم دوّى الصوت مرّة أخرى، كان أعمق وأكثر إلحاحا. هبّ من مكانه مذعورا، وراح يزيح الأحجار بيديه المرتجفتين، يرميها بعيدا بكلّ ما بقي فيه من قوة، يبحث بيأس عن مصدر ذلك الصوت المجهول، ذلك الأنين الخافت الذي أبى أن يصمت، كانت الأحجار تنزلق من يديه المتعبة، لكنّ شيئا بداخله كان يدفعه للاستمرار، وبينما هو منهمك في الحفر، شعر فجأة ببرودة يد صغيرة تلامس يده، تسمّر في مكانه، حدّق بها فإذا هي يد ناعمة، هامدة، تكاد تخفى تحت الركام، إنّها يد طفلة! أزاح عن وجهها التراب وآثار الأنقاض التي شوّهت ملامحها وأخفت ابتسامتها الصغيرة، ضمّها إلى صدره، لفّها بذراعيه المرتجفتين، ثم نهض مسرعا يركض بها نحو زملائه من الجنود، وتساءل ماذا يمكن أن يصنعوه لأجلها فهم مثلها عطاشى، متعبون، مرهقون حتى النخاع، أجسادهم أنهكتها الحرب، وقلوبهم أثقلها فقد الأحبّة، أيتركونها وحدها تصارع الحياة؟ أتسكت أنفاسها الضعيفة مثلما سكتت أصوات أهلها؟ أم تطالها نيران الحرب من جديد، لتلتحق بذويها الذين سبقوها إلى الرحيل. نهض واثقا قائلا في نفسه: (يستحيل ذلك، تلك الثلّة التي أبت نفوسهم الذلّ والخنوع، وجادوا بأرواحهم الطاهرة لنحيا، كيف لهم أن يتركوها تموت؟ كيف يسمحون لأنفاسها أن تنطفئ، مثلما انطفأ الورد في بلادنا؟) فتقدّموا يتسابقون كلٌّ يريد التكفّل بحملها لينقلها إلى مكان آمن تجد فيه ما تحتاجه لتعيش على الرغم من طول المسافة، وقد تتطلّب مشيا مرهقا بين الركام والخراب، لكن لم يتراجع، فحملها ذلك الجندي الذي دخل بيتها بحثا عن الماء وانطلق يقطع الطريق الطويل، يسابق الوقت كي يسقيها متناسيا عطشه، متجاهلا ألمه، كأنّ لا أمر يشغل تفكيره سوى أن تعيش. بعد غياب مدّة من الزمن، عاد وابتسامة عريضة تملأ وجهه، وجهه يتهلّل فرحا كأنّه عاد يحمل حياة جديدة للطفلة، لقد وجد لتلك الرضيعة أملا آخر ومستقبلا كان على وشك أن يدفن تحت الأنقاض، ويبدو أنّ ضحكاتها الصغيرة قد طبعت على وجهه، فصار يحملها معه حين التقى أصحابه، قرأوا في عينيه ذلك الفرح الصادق، وأيقنوا أنّهم قادرون على أن يضحّوا ليحيا الورد في وطنهم من جديد، وما زادتهم تلك الابتسامة إلّا يقينا بأنّ النصر حليفهم، وأنّ الحياة مهما تكاثف حولها الموت فلا تزال ممكنة حين تروى بالدم الطاهر والنيّة الصافية.