رياض الزهراء العدد 225 أنوار قرآنية
العهد الإلهي وعداوة الشيطان
إنّ الله تبارك وتعالى يذكّر بني آدم بأنّه قد أوصاهم منذ القدم ألّا يعبدوا الشيطان، أي ألّا يطيعوه في وساوسه وأوامره؛ لأنّ الطاعة لا تكون إلّا لله (عزّ وجلّ)، أو لمن يأذن الله تعالى بطاعته، وقد بيّن سبحانه سبب هذا النهي وهو أنّ الشيطان عدوّ واضح، والعدوّ لا يريد الخير لمن يعاديه، بل يسعى إلى إهلاكه وتضليله، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنّ عبادة الشيطان تعني عبادة الأصنام، ونُسبت إليه لأنّه هو من زيّنها للناس، لكنّ هذا الرأي فيه تكلّف، إذ إنّ المعنى الأوضح والأقرب هو الطاعة المباشرة للشيطان، والانقياد لأوامره المخالفة للحقّ. والخطاب في العديد من الآيات القرآنية موجّه إلى المجرمين، فهم من أبناء آدم (عليه السلام)؛ لأنّ عداوة الشيطان بدأت مع النبي آدم (عليه السلام) نفسه حين رفض إبليس السجود له، وتكبّر، فطُرد من رحمة الله تعالى، ثم توعّد الشيطان بإغواء ذرّية آدم (عليه السلام)، فقد جاء في قوله تعالى: لأحْتنِكنّ ذُرِّيّتهُ إِلّا قلِيلًا (الإسراء:62)، أمّا العهد الإلهي، فهو أمر الله تعالى لبني آدم عبر الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، يحذّرهم من اتّباع الشيطان، فقد قال تعالى: يا بنِي آدم لا يفْتِننّكُمُ الشّيْطانُ كما أخْرج أبويْكُم مِّن الْجنّةِ (الأعراف:27)، وقوله تعالى: ولا يصُدّنّكُمُ الشّيْطانُ إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُّبِينٌ (الزخرف:62). وهناك رأي آخر يقول إنّ هذا العهد حصل في عالم الذرّ حين قال الله تعالى: ألسْتُ بِربِّكُمْ قالُوا بلى (الأعراف:172)، وهذا العهد في عالم الأرواح هو نفسه الذي يتجدّد في الدنيا عبر الوحي والتعليم(1). ثم تأتي الآية المباركة: وأنِ ٱعْبُدُونِى هـٰذا صِرٰطٌۭ مُّسْتقِيمٌ (يس:61) لتفسّر ما قبلها: ألمْ أعْهدْ إِليْكُمْ يا بنِي آدم أن لّا تعْبُدُوا الشّيْطان إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُّبِينٌ (يس:60)، وتبيّن أنّ الطريق المستقيم الذي يجب اتّباعه هو عبادة الله تعالى وحده؛ لأنّهُ السبيل إلى النجاة، ويُشبه حال العبد حال الشخص التائه وسط صحراء مليئة بالمخاطر، يبحث عن طريق آمن وسريع لينقذ نفسه وأهله، وهذا الطريق هو الصراط المستقيم الذي يقود إلى رضا الله (عزّ وجلّ) والجنّة، ومن هذا التعبير نفهم أنّ الدنيا ليست دار استقرار، بل هي طريق مؤقّت والمقصد الحقيقي هو الآخرة، حيث القرار والراحة والخلود(2). ...................................................... (1) تفسير الميزان: ج17، ص102. (2) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج14، ص217.