نحن وحقوق الأصدقاء
قيل قديما: (رب أخ لم تلده أمك)، تبدو هذه المقولة محيرة للوهلة الأولى، لكن لو تصفحنا مسيرة حياتنا؛ لوجدنا أن هناك أشخاصا لا تربطنا بهم رابطة الدم والنسب كأن تكون جارة لنا، أو رفيقة دراسة، أو سفر، أو زميلة في العمل، أو ألتقيناها في صدفة خير من ألف ميعاد فأصبحت من المقربين، ومرشدا في محل الاستشارة، وموضع ثقة وسر، فالصديقة الحقيقية هي من تأخذ بيد صديقتها إلى بر الأمان، وتدلها على عيوبها، وتحاول جاهدة مساعدتها في إصلاح عيوبها لتتخلص منها، وتساعدها لتتجاوز الظروف الصعبة بحكمة وروية، ولا تحتكرها لنفسها بل تساعدها على أنْ تكون علاقتها بالآخرين إيجابية، ولا تتذرع بالظروف وقت الأزمات. الصديقات في الحياة كثر، فمنهن من تستمر معنا إلى نهاية العمر، ومنهن من تتوقف في محطة من محطات الحياة، وتترجل لأسباب شتى، ومنهن من تحول الصداقة إلى أخوة، وركن يستند إليه لتشد الأزر في السراء والضراء، لا لأجل مقابل بل لرابطة الإسلام التي جعلت في أعناقنا التزامات وحقوقا علينا أداؤها تجاه الأصدقاء، ومثل تلك الصديقات نسعى جاهدين أنْ نوثق عرى الصداقة معهن، ونكن لهن كل الاحترام والتقدير، ونبادلهن الأفعال الطيبة بمثلها وأكثر. ولما للصداقة والصديق من شأن في الحياة الاجتماعية وتأثيرها في الفرد، فقد اهتم الإسلام والقرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) ببيان حقوق الصديق تجاه صديقه وواجباته، فيجب مراعاتها والالتزام بها، فعن الإمام علي (عليه السلام) عند وصيته لابنه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أنه قال: "احملْ نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أنْ تضع ذلك في غير موضعه، أو أنْ تفعله بغير أهله"(1)، وأضاف أبو الحسن (عليه السلام) قائلا: "لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة"(2). وكذلك قوله (عليه السلام): "وإنْ أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إنْ بدا له ذلك يوما ما، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه"(3). وعندما نتأمل هذه النصائح الذهبية التي قدمها الإمام علي (عليه السلام) نعرف ما لنا وما علينا، وننتبه إلى ما غفلنا عنه. وكذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام): "لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته ووفاته"(4)، وهذا القول هو بمنزلة الوثيقة التي تلخص آداب الصداقة حتى بعد موت الصديق. اللهم اجعلنا ممن يحفظ حقوق الأصدقاء ويصونها. .......................... (1) بحار الأنوار: ج71، ص168. (2) ميزان الحكمة: ج2، ص1587. (3) بحار الأنوار: ج71، ص168. (4) وسائل الشيعة: ج12، ص26.