مشروعية التقية
(التقية): كتمان الحق، وستر الاعتقاد، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين والدنيا(1)، وقد جرت سيرة الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) والمؤمنين على العمل بها، ودل على جواز العمل بها آيات قرآنية محكمة ينبئ ظاهرها على حقيقة لا مجال للتأويل فيها، إذ تعرض القرآن الكريم إلى بيان تقية المؤمنين في الأمم السالفة، كتقية أصحاب الكهف، وقد أفاض المفسرون في بيان قصتهم وكيف أنهم كانوا وسط ملة كافرة، وأنهم كانوا يكتمون إيمانهم قبل أن يدعوهم ملكهم إلى عبادة الأصنام، فلجؤوا إلى الكهف بدينهم، وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير، فأعطاهم الله أجرهم مرتين"(2)، مثلما أن القرآن الكريم ذكر تقية مؤمن آل فرعون في قوله تعالى: وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم (غافر:28)، وقد أمضى الإسلام التقية، فأجاز إظهار الكفر على اللسان تقية، ويدل على ذلك قوله تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولٰكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيمٌ (النحل:106)، فقد نزلت هذه الآية الشريفة في مكة المكرمة بشأن عمار بن ياسر وأصحابه، إذ وافق عمار المشركين على ما أرادوا منه تقية، وهي جائزة في مثل حالة عمار، فالإيمان مستودعه القلب، ولا يضر عدم إظهاره تقية، فليس من شرط صحة الإيمان أن يعلم به الغير. وقد تكون التقية لا لدفع الضرر عن النفس، بل من أجل ضرورة لابد منها، كتقية أبي طالب (عليه السلام)، إذ ستر إيمانه وأسره في قلبه؛ لأن الدعوة إلى الإسلام كانت بحاجة إلى شخصية اجتماعية قوية تدعمها وتحافظ على قائدها، بشرط أن لا تكون طرفا في النزاع، فتتكلم من مركز القوة لتتمكن الدعوة من الحركة مع عدم مواجهة ضغط كبير يشل حركتها ويحد من انتشارها، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) واصفا تقية أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: "إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف حين أسروا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين"(3)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "كان والله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم إيمانه مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش"(4)، فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) محصنا من الأذى بمكة المكرمة حتى توفي أبو طالب (عليه السلام)، فضاق به الفضاء، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال له: "إن الله يقرئك السلام ويقول لك: اخرج من مكة فقد مات ناصرك"(5)، فمن كان الناصر والحامي من أذى قريش قد مات فيجب مغادرة مكة المكرمة، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) منها مهاجرا إلى المدينة المنورة؛ ليكمل حمل الرسالة الإلهية وتبليغها ونشرها. .................................................. (1) تصحيح الاعتقاد: ص137. (2) الكافي: ج2، ص 218. (3) الأمالي للشيخ الصدوق: ص712. (4) وسائل الشيعة: ج16، ص231. (5) بحار الأنوار: ج22، ص261.