رياض الزهراء العدد 226 هندسة الحياة
بين المطرقة والسندان
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) (التحريم: 6)، لقد أمرنا الله سبحانه في هذه الآية الكريمة بحفظ أنفسنا وأهلينا من الوقوع في أي أذى أو ضرر، وسنتحدث عن إحدى مراحل النمو لدى الطفل، ولعلها من أشدها وطأة على الطرفين، ألا وهي مرحلة المراهقة التي تمر على الجميع وسط حالة من الاضطراب وسحائب من الأسئلة المتشعبة، تدور في فلك معرفة الهوية والانتماء وإثبات الذات والشعور بالاستقلال والرضا. في خضم تلك الأجواء المشحونة قد يجد المراهق نفسه سقط في شراك شبكة التثليث رغما عنه عند حدوث أي خلاف عائلي بين الأم والأب، فيزج به في هذه الدوامة، تتقاذفه المشاعر بين الإنجاز والفخر بأن له الدور الكبير في البيت، وبين الشعور بالذنب بسبب انحيازه لطرف دون الآخر، ومعنى التثليث هو إقحام طرف ثالث كالمراهق على سبيل المثال في علاقة ثنائية متوترة لتحقيق غايات ما، منها محاولة تخفيف المشاكل والتوتر، أو لنقل رسائل معينة من أحد الأطراف إلى الآخر، فيقع حينها المراهق بين مطرقة الأب المسيطر الذي يريد أن يثبت سلطته أو يبرر موقفه، وبين سندان الأم التي تستجدي العطف والدعم المعنوي لتشعر بالأمان عند كسب المراهق إلى طرفها، وهنا يمر المراهق بمرحلة من عدم الاتزان، إذ الضغط النفسي الهائل عليه، فلا هو قادر على الحفاظ على حياده، ولا يتمكن من حمل تلك المسؤولية التي تفوق خبراته الحياتية، فتتولد لديه مشاعر متناقضة، لا يعلم أين يتجه، أو من يساند، حينها يتسلل الشعور بالعجز إلى قلبه وتنطلق الأفكار التي تبحث عن الخلاص مما هو فيه، فقد يلجأ إلى العزلة، أو البحث عن البدائل خارج إطار البيت؛ ليتمتع بالأمان والاحتضان من أي طرف كان. إن مرحلة المراهقة تستدعي أن يتعامل الأهل معها بدقة متناهية، فيأخذون بيد الأبناء لعبورها بأمان واطمئنان نفسي، وأن تتسم التصرفات بالحكمة والوعي بعيدا عن أسلوب التثليث الذي يمزق الحالة النفسية لدى المراهق، فكل طرف يجره إليه بكل ما أوتي من قوة ليفرض رأيه ويبرر موقفه، ويتناسون مشاعر هذا الإنسان الحائر الذي يبحث عن الاحتواء والاستيعاب من الجميع. مرحلة المراهقة كالقطار السريع الذي يحتاج منا أن نستقله ونذهب معه، لا أن نقف أمامه فيصاب كل من هو بالمكان بأشكال من الأذى. فلنعمل على وقاية أولادنا من كل أذى محتمل ولا نجعلهم بين المطرقة والسندان فيذهب كل الجهد هباء منثورا.