رياض الزهراء العدد 226 أنوار قرآنية
القـرآن الكريم وحزن المرأة والتــسكين الإلـهي
أعطى الإسلام المرأة مكانة خاصة، وأولاها الرعاية والاهتمام بصورة كبيرة، إذ (حفظ الإسلام للمرأة إنسانيتها الكاملة وكرامتها بوصفها أنثى، وساوى بينها وبين الرجل من حيث البناء الروحي والعبادي والسلوكي، تشاركه في منظومة القيم والمعنويات، ولا تختلف عنه في الكمالات الإنسانية، حتى جعلها القرآن الكريم مثلا للذين آمنوا من الرجال والنساء على السواء، قال تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون) (التحريم:11)(1). إن اهتمام القرآن الكريم بالمرأة يتجلى بصورة واضحة في آياته وسوره، حتى أننا نجد سورة كاملة سميت بسورة (النساء)، وأخرى باسم (مريم)، وسورة أخرى سميت بـ(الكوثر)، وفصل كل ما يتعلق بالمرأة من حقوق وواجبات، مثلما اهتم بالمرأة من الناحية الشعورية بطريقة ملحوظة، بخاصة فيما يتعلق بموضوع الحزن، وقبل الخوض في تفصيل ذلك، لابد من أن نقف على تعريف (الحزن): (الحزن) لغة: الحزن والحزن، ضد السرور، و(حزن) من باب (طرب)، فهو (حزنٌ، وحزين)، وفلان يقرأ (بالتحزين) إذا أرق صوته به، و(الحزن) ما غلظ من الأرض، وفيها (حزونة)(2). أما اصطلاحا فقد ورد: (الحزن) عبارة عما يحصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي(3). وبناء على ذلك يمكننا القول إن الحزن شعور نفسي ضد الفرح والسرور، وغالبا ما يرافق الإنسان عند الأزمات، والفقد، أو الاحتياج إلى شيء يصعب الحصول عليه، وقد يسبب الحزن آثارا خطيرة في الشخصية، إذ يميل الإنسان إلى العزلة أو الانطواء، فضلا عن الآثار الصحية التي تنعكس على الجسم وأدائه، ومن هذا المنطلق نرى أن الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) قد أكدوا على تجنب الحزن المبالغ فيه، فقد ورد عن النبي عيسى (عليه السلام) أنه قال: "من كثر همه سقم بدنه"(4)، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "الهم يذيب الجسد"(5)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "الأحزان أسقام القلوب، كما أن الأمراض أسقام الأبدان"(6). وبما أن المرأة كائن عاطفي يتميز بخصائص نفسية وجسدية مختلفة عن الرجل، فهي أكثر تأثرا وانفعالا مع الأحداث والمواقف؛ لذلك أراد الله (عز وجل) لها أن تكون بعيدة عن الأحزان، لاسيما في بعض الحالات التي تشهد فيها المرأة ثورة عاطفية، كتلك المرتبطة بمشاعر الأمومة في أوقات الحمل والولادة، مما يجعلها بحاجة مضاعفة إلى الرعاية والاهتمام والطمأنة، وهذا ما تؤكده العديد من الآيات القرآنية، كقوله تعالى: (وأوحينا إلىٰ أم موسىٰ أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) (القصص:7)، إذ تتجلى في هذه الآية الكريمة أبهى مراتب العناية الإلهية، فقد راعى الله (عز وجل) حال أم موسى (عليه السلام) بعد ما تعرضت له من اختبار بإلقاء وليدها في اليم، لكن سرعان ما جاء التسكين الإلهي ليربط على قلبها، فقد قيل في تفسير قوله تعالى: (ولا تخافي ولا تحزني)، أي: ولا تخافي عليه من القتل ولا تحزني لفقدك له وفراقك إياه، والفرق بين الخوف والحزن، أن الخوف يكون مما يكره وقوعه، أما الحزن فهو تأثير قلبي من مكروه لا يحصل بالاختيار، وقوله: (إنا رادوه إليك) هو تعليل النهي، وتأكيد الكلام لطمأنة أم موسى من ريبها، و(الرد) الإرجاع، وقوله: (وجاعلوه من المرسلين)، زيادة في طمأنتها بشرها الله تعالى بإخبارها أنه تعالى جعله رسولا نبيا إلى آل فرعون وبني إسرائيل)(7). وبذلك نلاحظ الصلة والترابط المتين بين حال أم موسى وبين التطمين الإلهي الذي جاء بصورة النهي عن الخوف والحزن، ثم أكد تلك الطمأنينة بالتسكين المباشر الذي تضمن بشارتين: الأولى: (إنا رادوه إليك)، والثانية: (وجاعلوه من المرسلين)، ففي هذا الخطاب تتمثل الرعاية والرحمة الإلهية للمرأة، فمع أن أم موسى في موطن اختبار، لكن الله (عز وجل) لم يدعها تغرق في دوامة الحزن والأسى، بل سكن حزنها وبشرها، ولعل ذلك يؤكد ما يعكسه الحزن من أثر في المرأة واضطراب في صحتها الجسدية والنفسية، مما يضعف من دورها الأسري وفاعليتها؛ لذلك نجد في قوله تعالى: فرددناه إلىٰ أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولٰكن أكثرهم لا يعلمون (القصص:13)، تأكيدا على وعد الله تعالى لأم موسى، إذ قيل في تفسير: (كي تقر عينها ولا تحزن): جملة تعليل لجملة الرد، وقرة العين كناية عن السرور الذي يدخل النفس برجوع طفلها إليها سالما، وقوله تعالى: (لتعلم أن وعد الله حق)، جملة تعليل ثانية، أي ولتتيقن بتحقيق الله تعالى لمطلق وعده بمشاهدة العيان، ويدخل فيه ما وعدها الله برد ابنها إليها، و(الحق) يراد به الثبات في تحقيق الوعد)(8). وقد تمثلت العناية الإلهية في تسكين حزن المرأة في قوله تعالى: فأجاءها المخاض إلىٰ جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هٰذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا(مريم:23-24). إن تكرار مشهد ألم المرأة ونهيها عن الحزن وتسكينها، يحمل إشارة قوية على ضرورة الاهتمام بها وعدم تحميلها ما لا تطيق، بل تصبيرها، ومساعدتها في تجاوز المحن والظروف الصعبة؛ لذلك قيل في تفسير قوله تعالى: (ألا تحزني) جملة بيانية، و(لا) ناهية، والحزن ألم من الغم والهم في القلب، وقوله تعالى: (قد جعل ربك تحتك سريا) جملة تعليل، وقيل في معنى (السري) إنها عين ماء تجري(9). ومما تقدم نجد أن أسلوب النهي الذي تكرر في الآيات الكريمة تبعه مباشرة أسلوب التعليل، ولعل ذلك يعود إلى الاهتمام الكبير الذي خص الله تعالى به المرأة، ولأن في التعليل تطمين وتسكين لإبعاد الهم، وتخفيف الحزن، فندرك عن طريق الآيات الكريمة ضرورة استعمال هذا النوع من الأسلوب مع المرأة للحفاظ على توازنها النفسي؛ لأن الإنسان في نوبة الحزن لا يستطيع التفاعل مع بيئته ومحيطه بالشكل المثالي؛ لذلك قيل: (الحزن حركة إلى الداخل، ويحدث عن الحزن المرض والسقم لكمونه، والكمون الخفاء، لهذا يعرض الموت من الحزن ولا يعرض من الغضب)(10). لقد حرص القرآن الكريم على تأكيد مراعاة شعور المرأة في مختلف الحالات، من ذلك ما ورد في قوله تعالى: ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذٰلك أدنىٰ أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم ۚوكان الله عليما حليما (الأحزاب:51)، فالخطاب في الآية الكريمة موجه إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، إذ أعطاه الله الخيرة في الإرجاء والإدناء والقسمة والتسوية بين أزواجه؛ لذلك فسر قوله تعالى: ذٰلك أدنىٰ أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن تعليل للنفي، أي: ذلك الترخيص أقرب من أن تسر به نفوسهن ولا يحزن ويرضين بما أعطيتهن كلهن لعلمهن بأن له (صلى الله عليه وآله) الرخصة في التسوية والتفضيل، فتطيب نفس المتقدمة بما قسمت له، وترجو المتأخرة أن تتقدم بعد)(11). ................. (1) مكانة المرأة في الإسلام: ص4. (2) مختار الصحاح: ص134. (3) التعريفات للجرجاني: ص91. (4) الحزن، عبد الرسول زين الدين: ص13. (5) ميزان الحكمة: ج1، ص610. (6) بحار الأنوار: ج92، ص280. (7) التفسير التحليلي للقرآن الكريم، عباس علي الفحام: ج11، ص82. (8) المصدر نفسه: ج11، ص89. (9) المصدر نفسه: ج9، ص102-103. (10) كشكول البهائي: ج2، ص347. (11) التفسير التحليلي للقرآن الكريم: ج12، ص101.