رياض الزهراء العدد 226 الحشد المقدس
خاتم وتربة
كان (غضنفر) يخطط لحفل زفافه، فبدأ بتجهيز الدعوات واختيار القاعة، وحلم ببيت يملؤه الأمن والطمأنينة مع زوجته (زينب)، ظل يتفحص جيبه بحثا عن خاتم الزواج، يلمسه بين الحين والآخر ليطمئن أن الحلم صار حقيقة بإذن الله تعالى، إلا أن التحاقه بالحشد المقدس دفاعا عن الوطن، دفعه إلى تأجيل مشروع الزواج. فتح عينيه من غفوته القصيرة، فبعد انهيار سقف آماله مع تساقط الهاونات بقربه، لم يعبأ برهبة الموت التي ملأت الأرجاء، بل زادته قوة في التصدي للهجوم المباغت الذي بدأ يشتد أمامه، فكان مع كوكبة من أبطال الحشد الذين حملوا الشهامة وتسلحوا بالقوة حتى امتطوا الموت سبيلا والتضحية وسيلة، إذ التحفوا بجلباب الرفض قبال كمية الشر والبهتان، تشدهم فتوى المرجعية العليا، فيقدمون الأرواح حفاظا على الحرمات والمقدسات، متمسكين بالغيرة والحمية. استمر (غضنفر) بتذكر حفلة عقد قرانه مع (زينب)، إذ تتماوج في ذهنه صور تملؤها الراحة والسكينة مع وقع القنابل وتشظي القذائف؛ لتسقط عليه كما هائلا من الحنو والشوق المباح. اشتد وقع النزال و(غضنفر) يرمي ويدافع ببسالة، وقف بقوة غير آبه ولا خائف من أمارات الموت التي لاحت بين صفوف أصحابه الذين سقطوا هنا وهناك، حتى فاحت رائحة الدم الممزوجة بالبارود في الأرجاء، وفي ذلك الحين كانت (زينب) تنتظر على حافة الأمل عودته إلى الديار ليكملا معا آخر متطلبات حفل الزفاف، كانت الأحلام تسكن قلبها بمستقبل مغمور بالراحة والأمان، وتمضي كعادتها تتحسس خاتمها على الرغم من قلق خفي بدأ يشتت طمأنينتها بلا هوادة. في فجر اليوم التالي، اقتربت من المدينة سيارة عسكرية تحمل جثمان شهيد، وبينما ارتفع نداء المؤذن للصلاة، أخذت السيارة تشق طريقها نحو منزل (غضنفر)، عندها خفق قلب (زينب) وانهالت دموعها من دون أن تدري ما السبب، فقد أنبأها قلبها أن خطبا جليلا قد حدث. نظرت من النافذة المطلة على الشارع، فرأت السيارة المهيبة متجهة نحو بيت زوجها المستقبلي، وأطلقت صرخة مدوية على أثرها أفاق أهلها، تعالت الزغاريد واشتد التكبير في أرجاء الجامع القريب، فلم يبق من (غضنفر) سوى خاتم عالق في جيبه لم يربط بينهما، لكنه ربط القلوب بعهد أبدي، وقطعة من تربة الإمام الحسين (عليه السلام) تشيعه إلى مثواه الأخير، وختمت رحلته إلى السماء شهيدا وعريسا.