الإمام علي (عليه السلام): قدوة الأجيال
ولد الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في جوف الكعبة المشرفة في حدث فريد لم تشهد له البشرية مثيلا، فجدران البيت الحرام انفرجت لتحتضن نورا قادما من عالم الطهر والاصطفاء، كانت ولادته آية ربانية تعلن عن منزلة ومقام علوي لا يدانيه مقام. نشأ (عليه السلام) في بيت طاهر يفيض إيمانا وشرفا في كنف والده سيد البطحاء أبي طالب (عليه السلام) وتحت رعاية أم طاهرة نقية هي السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام)، فشب وقلبه معلق بالله تعالى، وعقله يفيض بالحكمة، ولسانه ناطق بالحق، إنه نور في الأصلاب الشامخة: "أشهد أنك كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها"(1)، وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) قربه من النبي (صلى الله عليه وآله) في الخطبة القاصعة، فقال: "وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) القرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، يمسني جسده، ويشمني عرفه - رائحته الذكية - وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل،... ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء"(2). ولقد شارك أمير المؤمنين (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع الحروب ولم يفارقه إلا في غزوة تبوك؛ لأمر أراده الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وفي كل الغزوات كان لواء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد الإمام علي (عليه السلام)، وفي حجة الوداع في غدير خم أعلن النبي (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله تعالى عن تنصيب علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة من بعده، فنزل قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (المائدة:3)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله"(3)، وفي سنة (11هـ) كانت شهادة النبي (صلى الله عليه وآله)، فبدأت مرحلة جديدة من حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ زوي عن الخلافة لمدة (25) سنة، وحكم قرابة (5) سنوات، وتعد هذه الحقبة من أهم حقبات المجتمع الإسلامي، إذ حكم (عليه السلام) بالعدل والسوية بين الرعية، والإصلاح الإداري والسياسي والعمراني، واسترداد أموال بيت المال، وعزل العمال الفاسدين، وغيرها من الأعمال، فضلا عن نشر تعاليم السماء، إذ روي عنه (عليه السلام) أنه قال: "من تساوى يوماه فهو مغبون"(4) و"من ساء خلقه عذب نفسه"(5)، وقد ورد عنه في عهده لمالك الأشتر دستوره الذهبي في العلاقات الاجتماعية ومسؤولية الحاكم: "الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق"(6). إن الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) حجة الله على الخلق أجمعين، والإمام المعصوم المفترض الطاعة الذي اختاره الله تعالى ليكون امتدادا لرسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، فهو القدوه للمؤمنين في كل زمان، يهدي الأجيال إلى طريق الحق والفضيلة، وهو صوت العدالة الإلهية الذي لا يخبو صداه. ......................... (1) بحار الأنوار: ج98، ص332. (2) نهج البلاغة: ج2، ص157. (3) الخصال: ج2، ص568. (4) ميزان الحكمة: ج5، ص356. (5) غرر الحكم ودرر الكلم: ص8355. (6) نهج البلاغة: ص84.