شعاعٌ بلا حدود في عطاء لا محدود
إن القلم ليخجل أن يخط مواقف امرأة تحيرت الأخبار في ذكرها وصفاتها، إذ أدهشت العقول بمواقفها في حياتها في كنف عائلتها: جدها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وأبيها خير الأوصياء، وأمها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وأخويها سيدي شباب أهل الجنة (صلوات الله عليهم أجمعين). أحداث كثيرة وآلام مريرة مرت بها، فهي جبل الصبر، فلو كان للصبر لسان لنطق، وخجل من مواقفها المشرفة، إنها زينب الكبرى (عليها السلام) ثالث أبناء بيت المصطفى محمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، تلك التي أطلق عليها اسم (زينب)، ويعني: شجر حسن المنظر، طيب الرائحة(1)، ويعني: (زين أب) أي الابنة التي تزين أباها(2). وقد جاء في الأخبار لما ولدت (عليها السلام) جاءت بها أمها الزهراء إلى أمير المؤمنين (عليهما السلام)، وقالت له: "سم هذه المولودة، فقال: ما كنت لأسبق رسول الله، وكان في سفر له، ولما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) سأله أمير المؤمنين (عليه السلام) أن یسمیها، فقال: ما كنت لأسبق ربي تعالى، فهبط جبرائيل يقرأ على النبي السلام من الله الجليل، وقال له: سم هذه المولودة (زينب)، فقد اختار الله لها هذا الاسم"(3). ولدت السيدة زينب (عليها السلام) في المدينة المنورة في الخامس من جمادى الأولى سنة (5 أو6هـ)(4). عرفت بألقاب عديدة تدل على منزلتها العظيمة، منها (العالمة غير المعلمة، وعقيلة بني هاشم، والعابدة، والعارفة، ونائبة الزهراء (عليها السلام)، ونائبة الحسين (عليه السلام) وشريكته، والبليغة، والفصيحة)(7)، وغيرها من الألقاب، لكن لنا وقفة مع نائبة الحسين (عليه السلام) وشريكته. مما لا شك فيه أن الرسالة الإسلامية وقفت موقف العدالة من النساء في إثبات حقوقهن وإبراز دورهن في التبليغ الرسالي للشريعة الإسلامية، وهذا الأمر ليس ببعيد عن السيدة زينب (عليها السلام) وهي ربيبة بيت الرسالة التي نشأت في أحضان خاتم الأنبياء وسيدة النساء وسيد الأوصياء (صلوات الله عليهم أجمعين)، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فواقعة الطف التي عرفت فيها السيدة زينب (عليها السلام) بأنها بطلة كربلاء وسطرت أروع المواقف، تبين لنا معنى النائبة: 1ـ نابت عن الإمام الحسين (عليه السلام) في قيادة ما تبقى من الركب الحسيني، بخاصة النساء والأطفال. 2ـ حمت إمام زمانها الإمام السجاد (عليه السلام) بعد واقعة عاشوراء من القتل. 3ـ حافظت على النساء ودافعت عنهن مقابل أي خطر يهددهن في مسيرة السبي. 4ـ دافعت عن الإسلام وعن الولاية. 5ـ استنهضت العقول وشحذت الهمم، وفضحت الوجه الحقيقي للسلطة الحاكمة، وفندت أكاذيبهم التي انطلت على عامة الناس ضد أهل بيت النبي (عليهم السلام). 6ـ أخبرت عن أحداث واقعة الطف الأليمة، وما جناه بنو أمية ومن لف لفيفهم من حزب الشيطان بحق آل بيت النبي (صلوات الله عليهم). أما لقب (الشريكة)، فيعني: 1ـ إن أبرز أوجه المشاركة بين السيدة زينب والإمام الحسين (عليهما السلام)، أنها أخته وهما أبناء الرسالة وقد شربوا من مشارب جدهم الحبيب المصطفى وأمهم الزهراء وأبيهم أمير المؤمنين (عليهم أزكى الصلوات والسلام). 2ـ إن واقعة الطف لم تنته بالمعركة، بل كان الجزء الأول منها في القتال، والجزء الثاني منها في التبليغ والإعلان والاستمرار في نشر ما جرى في كربلاء، فكان للإمام الحسين (عليه السلام) قيادة الجزء الأول، وكان للسيدة زينب (عليها السلام) قيادة الجزء الثاني، فهما شريكان في القيادة، ولكل منهما دوره الخاص به. 3ـ الثبات على موقف واحد وهو إكمال المسيرة الرسالية بكل الوسائل، والالتزام المطلق بمبادىء الإسلام، من قول الحق، والدفاع عنه، وتحمل كل أنواع القهر والألم والأذى في سبيل ذلك. إن بطلة كربلاء (عليها السلام) قد ورثت من أمها جهادها في الدفاع عن الشريعة الإلهية وعن بيعة الغدير، فما كلت ولا ملت، ولم تكسر، بل هي قدوة النساء في جميع جوانب حياتها، وكان وما يزال اسمها وسيرتها تضيء حياة كل فتاة مؤمنة. ................. (1) ينظر: لسان العرب: ج1، ص453. (2) ينظر: تاج العروس: ج2، ص60. (3) ينظر: السيدة زينب (عليها السلام)، باقر شريف القرشي: ص39. (4) ينظر: رياحين الشريعة، عبد الله محلاتي: ج3، ص33. (5) ينظر: زينب الكبرى (عليها السلام) من المهد إلى اللحد: ص561. (6) ينظر: السيدة زينب (عليها السلام) بطلة التاريخ، القرشي: ص298. (7) ينظر: الخصائص الزينبية: ص44.