إبراهيم هدية بيت الوحي

خاصّ مجلّة رياض الزهراء(عليها السلام)
عدد المشاهدات : 50

تأتي البشارات الربانية للأنبياء (عليهم السلام) مكللة صبرهم بالقبول، وتتجلى صورتها في التكريم الرباني لنبي الله إبراهيم (عليه السلام) إذ بشر بإسماعيل وإسحاق (عليهما السلام) على الكبر، وكذلك البشارة للنبي زكريا (عليه السلام) إذ بشر بيحيى (عليه السلام)، وجاء تاج البشرى لتاج المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) بابنه إبراهيم (عليه السلام) وأمه السيدة (ماريا القبطية)، إذ ولد في المدينة المنورة في شهر ذي الحجة للسنة الثامنة للهجرة، وعق عنه النبي (صلى الله عليه وآله) يوم سابعه، وحلق رأسه، فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض(1)، وتنافست نساء الأنصار لإرضاعه(2). وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم"(3)، وعاش في كنف سيد الخلق (صلى الله عليه وآله) (22) شهرا ثم رفع إلى ربه، ونقف مع سيد الخلق في ذكرى وفاة إبراهيم معزين ومتأسين ومتعلمين، إذ قدم (صلى الله عليه وآله) دروسا لأمته في هذا الموقف الصعب، مثلما قدم سننا يوم مولده المبارك. الدرس الأول: بكاء النبي (صلى الله عليه وآله) يوم وفاة ابنه إبراهيم (عليه السلام) وقوله:" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"، ثم رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في قبره خللا فسواه بيده، وقال: " إذا عمل أحدكم عملا فليتقن"(4)، فنتعلم منه (صلى الله عليه وآله) أن الحزن جزء أصيل في النفس الإنسانية يستدعي البكاء حين يصيبها ما يثير ذلك ولا نقاوم هذا الحزن إلا بتسليم الأمور جميعها إلى الله سبحانه وتعالى، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. الدرس الثاني: الإتقان إذ يوجه (صلى الله عليه وآله) المسلمين إلى الالتزام والتمسك بالإتقان حتى وهو يقف هذا الموقف الصعب في وداع ابنه إبراهيم (عليه السلام)، فالإتقان ليس شيئا مكملا للعمل، بل صفة أصيلة لإتمامه. الدرس الثالث: الربط بين الحوادث والآيات الكونية والتوجيه للتفكر في آيات الله سبحانه وتعالى، فحين كسفت الشمس يوم توفي إبراهيم (عليه السلام) صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: "أيها الناس إن الشمس والقمر من آيات الله يجريان بأمره، مطيعان له لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا أو أحدهما صلوا"، ثم نزل من المنبر، فصلى بالناس صلاة الكسوف(5). الدرس الرابع: التبليغ وعدم الجزع وحاشا لرسول لله (صلى الله عليه وآله) أن يجزع، لكن هناك من ظن أن النبي (صلى الله عليه وآله) كسائر البشر قد يجزع لفقد الولد، فأجابهم (صلى الله عليه وآله): "إن جبريل أتاني وأخبرني بما قلتم، زعمتم أني نسيت أن أصلي على ابني لما دخلني من الجزع، ألا وإنه ليس كما ظننتم، ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات، وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة، وأمرني ألا أصلي إلا على من صلى"(6). فعليك الصلاة والسلام يا أبا إبراهيم وأنت تقف مودعا ولدك الرضيع وقد بكيت لفراقه، سيدي فكيف لو شاهدت رضيع الحسين (عليه السلام) مذبوحا بين يديه؟ عليك وعلى آلك الصلاة والسلام في كل وقت وحين، وفي الملأ الأعلى والمرسلين. ................................ (1) بحار الأنوار: ج21، ص183. (2) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): ج4، ص110. (3) المصدر نفسه. (4) بحار الأنوار: ج22، ص157. (5) الكافي: ج3، ص208. (6) المصدر نفسه.