الإمام علي الهادي (عليه السلام) وسر شجرة الآس
من السمات التي يتصف بها الإمام علي الهادي (عليه السلام) إمامته المبكرة كأبيه الإمام الجواد (عليه السلام)، إذ كان عمره الشريف عند استشهاد أبيه (عليه السلام) ثماني سنوات على أكثر تقدير، ولأنه المصداق الثاني للإمامة المبكرة التي ظهرت في أهل البيت (عليهم السلام)، لم تحصل للمجتمع الشيعي الصدمة التي حصلت عندما تولى الإمام الجواد (عليه السلام) الإمامة، ويعود السبب إلى الجهود المكثقة واللافتة للنظر التي قام بها الإمام الرضا (عليه السلام) بخصوص موضوع الإمامة المبكرة تمهيدا لإمامة ولده الجواد (عليه السلام)، ولأن هذه الظاهرة ستتكرر فيما بعد في إمامة الإمام الهادي وحفيده الإمام المهدي (عليهما السلام)، فكان لا بد من إيجاد الأرضية الثابتة والرصينة لهذه الظاهرة عند الشيعة حتى يؤمنوا بها ولا يعتريهم الشك، فنلاحظ النصوص الكثيرة والمتضافرة التي صدرت من الإمام الرضا (عليه السلام) بشأن إمامة ولده الجواد (عليه السلام) حتى قبل ولادته، واستمر صدورها إلى ما قبل استشهاده (عليه السلام)، وبعد رحيل الإمام الجواد (عليه السلام) إلى جوار ربه شهيدا مسموما على يد المعتصم العباسي، فقد أمر هذا الطاغية واليه على المدينة المدعو عمر بن الفرج وكان من أخبث الناس وأشدهم بغضا لأهل البيت (عليهم السلام) أن يعهد إلى معلم من النواصب ليقوم بتعليم الإمام الهادي (عليه السلام) في محاولة منه لاحتواء الإمام اعتقادا منه أن ذلك ممكنا لصغر سنه. اجتمع الوالي بجماعة من أهل المدينة المخالفين لأهل البيت (عليهم السلام) وقال لهم: ابغوا لي رجلا من أهل الأدب والقرآن والعلم لا يوالي أهل هذا البيت، لأضمه إلى هذا الغلام، وأوكله بتعليمه، وأتقدم إليه بأن يمنع منه الرافضة الذين يقصدونه يمسونه، فأسموا له رجلا من أهل الأدب يكنى (أبو عبد الله) ويعرف بالجنيدي، متقدما عند أهل المدينة في الأدب والفهم، ظاهر البغض والعداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، فأحضره عمر بن الفرج وأسنى له الجاري من مال السلطان، وتقدم إليه بما أراد، وعرفه أن السلطان أمره باختيار مثله، وتوكيله بهذا الغلام (1)، وعين له راتب شهري، وتعليمات صارمة في تعامله مع الإمام الهادي (عليه السلام)، أهمها أن يمنع الشيعة من زيارته والاتصال به، وقام الجنيدي بمهمته بإخلاص وتفان، لكنه فوجئ بفرادة الإمام الهادي (عليه السلام) وكمالاته، وحفظه القرآن كاملا، وجمال تلاوته، بل علمه بتأويله وتفسيره، وكان يقول: هذا مات أبوه بالعراق وهو صغير بالمدينة، ونشأ بين هذه الجواري السود، فمن أين علم هذا؟(2). لم يكن يدرك ذلك الناصبي أن الإمام المعصوم الذي اختاره الله تعالى لإمامة الدين والدنيا لابد من أن يكون أهلا لهذا المنصب، ولا يضره صغر السن؛ لأن علمه علم لدني وليس مكتسبا بتعليم المعلمين أو مستمدا من تجارب الحياة. وأخيرا اعترف الجنيدي بأنه كان يتعلم من الإمام لا يعلمه، إذ قال: يظن الناس أني أعلمه، وأنا والله أتعلم منه(3). ومرت الأيام والليالي والجنيدي يزداد إعجابا بالإمام الهادي (عليه السلام) وتأثرا بشخصيته الفذة، وعلمه الغزير، حتى خلع ثوب النصب لأهل البيت (عليهم السلام)، ودان لهم بالولاء والطاعة واعتقد بإمامتهم (عليهم السلام). لقد وهب الإمام الهادي (عليه السلام) كآبائه كل المواهب التي تكون دليلا على إمامتهم، وتؤيد حجيتهم على الخلق، وأهمها غزارة العلم، فلا يمكن أن يوجه إليهم سؤال في شأن من شؤون الدين أو الدنيا فيعجزون عن الإجابة، مثلما أطلعهم الله تعالى على علم الغيب؛ لتظهر بذلك كراماتهم ومقامهم الرفيع في الأمة. ومن المفارقة الغريبة أن الحكام جميعهم، وعلى الرغم من عدائهم للأئمة (عليهم السلام) كانوا في قرارة أنفسهم يعتقدون اعتقادا جازما بأعلميتهم؛ لذلك نرى أن كل حاكم كان يلجأ إلى الإمام المعصوم الذي يعاصره في أسئلته الدينية والدنيوية. أما المتوكل العباسي فكان ناصبيا من الدرجة الأولى، وقد بلغت عداوته لأهل البيت (عليهم السلام) حدا فاق من سبقه ومن لحقه من السلاطين، بخاصة بغضه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وأبين مظاهر عدائه لأهل البيت (عليهم السلام) هدمه قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وكل الأبنية التي من حوله، بل قام بحرث القبر وأجرى عليه الماء ليمحو أثره، ومنع الشيعة من زيارته، وأقام المراصد، وبث الجواسيس لملاحقة الزائرين، وسن القوانين التي تنطوي على أشد العقوبات وأقساها في حق من يزور قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو الذي حمل الإمام الهادي (عليه السلام) من المدينة إلى سامراء بهدف إبعاده عن شيعته ومواليه، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، والرقابة المشددة لرصد تحركاته ونشاطاته، وسجنه مرات عديدة، وهم بقتله. ومع كل هذا العداء كان يستفتي الإمام (عليه السلام) في أسئلته الشرعية، ويقدم فتواه على فتوى غيره من علماء عصره، بل يفزع إليه حتى في المشاكل التي تواجهه في شؤون الحياة اليومية، فحين نذر المتوكل يوما أن يتصدق بمال كثير واختلف الفقهاء في تحديد مقدار المال الكثير، أشار عليه أحد ندمائه أن يسأل الإمام الهادي (عليه السلام)، فأجابه (عليه السلام) بأن الكثير ثمانون، ولما سئل عن دليله، أجاب (عليه السلام) بالآية المباركة وهي قوله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (التوبة:25) وعددها (80) غزوة. وكذلك يروي لنا التأريخ لجوء المتوكل إلى الإمام الهادي (عليه السلام) عندما أصيب بخراج أشرف بسببه على الهلاك، ولم يجرؤ أحد من أطبائه على الاقتراب منه وعلاجه، فوصف له الإمام (عليه السلام) دواء ناجعا فشفي من ذلك الخراج. وجاء عن ولده المنتصر الذي كان يوالي أهل البيت (عليهم السلام) هذا الخبر: (زرع والدي الآس في بستان وأكثر منه، فلما استوى الآس كله وحسن، أمر الفراشين أن يفرشوا الدكان - المقعد المرتفع - في وسط البستان، وأنا قائم على رأسه، فرفع رأسه إلي وقال: يا رافضي سل ربك - أي الإمام الهادي (عليه السلام) - عن هذا الأصل الأصفر، ما له بين ما بقي من هذا البستان قد اصفر؟ فإنك تزعم أنه يعلم الغيب. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه ليس يعلم الغيب، فأصبحت وغدوت إليه (عليه السلام) من الغد، وأخبرته بالأمر، فقال: "امض أنت واحفر الأصل الأصفر، فإن تحته جمجمة نخرة، واصفراره لبخارها"، قال: ففعلت ذلك، فوجدته كما قال (عليه السلام)، فقال المتوكل: يا بني لا تخبرن أحدا بهذا الأمر، ولن نحدثك بمثله)(4). ومن يدري فربما كانت تلك الجمجمة شاهدا على إحدى جرائم المتوكل التي ارتكبها سرا وأخفاها عن أقرب المقربين إليه، فكشفها الإمام (عليه السلام) لتكون هذه الحادثة حجة على المتوكل، ودليلا على ما يحمله الإمام (عليه السلام) من علم الغيب وآباؤه الطاهرون حجج الله في أرضه مثلما كما نقرأ في الزيارة الجامعة المروية عنه (عليه السلام): "اصطفاكم بعلمه، وارتضاكم لغيبه، واختاركم لسره، وأعزكم بهداه، وخصكم ببرهانه"(5). ................................... (1) موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام): ج14، ص39. (2) موسوعة الإمام الهادي (عليه السلام): ج1، ص176. (3) المصدر نفسه. (4) الثاقب في المناقب: ص538. (5) من لا يحضره الفقيه: ج2، ص 609 – 617.