نور العقول
سطع نور سماوي شعاعه خطف القلوب وملأها بهجة، كأن نسائم الربيع اللطيفة هبت وسكنت عندها النفوس، ابتسم البيت العلوي وأزهر بقدوم باقر علم الأولين والآخرين. كيف لا تزهر الدنيا وتبتسم لقدومه وهو ابن النبوة وسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله). الإمام الباقر الذي بقر العلم بقرا، أي: شقه شقا، وأظهره إظهارا(1). هو ابن العلوم الكاملة، يهدي الناس ويعلمهم ويرشدهم إلى سبيل النجاة، أرسى (عليه السلام) قواعد مدرسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فتلقى فيها جمع من الناس علومهم في كل المجالات. لقد حث الإمام الباقر (عليه السلام) على طلب العلم، وبين أهميته وأثره، فقال (عليه السلام): "تعلموا العلم فإن تعلمه جنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار الجنة، وأنس الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة"(2). لكن التعلم والتزود من العلم يحتاج إلى المذاكرة والتدبر في معانيه لفهمه والعمل به، فيؤكد الإمام الباقر (عليه السلام) بقوله: "تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة"(3)، وقد قال الله تعالى: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (الزمر:9) فعلى طالب العلم أن لا يطلب العلم للمباهاة والافتخار، مثلما أن فائدة العلم هي العمل به، ومن يمتلك علما فلابد من أن يؤثر فيه علمه، فلصاحب العلم صفات يبينها الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله: "لا يكون العبد عالما حتى لا يكون حاسدا لمن فوقه، ولا محقرا لمن دونه، إن العالم إنما يكون عالما فيما إذا صفت نفسه من الحسد الذي هو من أعظم الآفات النفسية، فهو الذي يلقي الناس في البلاء، ويجر لهم الويلات والخطوب، كما إن العالم لا يكون عالما فيما إذا احتقر من دونه فإنه ينم عن عدم انتفاعه بالعلم الذي يدعو إلى تكريم الناس، ومقابلتهم بالأخلاق الرفيعة، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وإذا تجرد العالم من هذه الظاهرة فقد شذ عن سنن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأخلاقه"(4). فطلب العلم ومذاكرته يظهر أثره في أفعال طالب العلم وأخلاقه، والخلق الرفيع أهم صفة لدى المتعلم والعالم، وها هو باقر العلم (عليه السلام) يرسم لنا الطريق ويدعونا إليه، فلنغتنم الفرصة ولا نحيد عن نهجه (عليه السلام). ............ (1) علل الشرائع: ج1، ص233. (2) بحار الأنوار: ج75، ص189. (3) الكافي: ج1، ص41. (4) تحف العقول: ص294.