علي والانتصار للحق

زهراء سالم الجبوري/ النجف الأشرف رسوم: نور عطشان الجابري/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 12

كان (علي) تلميذا في الصف الرابع الابتدائي، معروفا بين أصدقائه بهدوئه وابتسامته الدائمة، لكنهم لم يروا فيه ما يميزه، فلم يكن الأسرع في الجري، ولا الأقوى في مباراة كرة القدم، لكنه كان يحب شيئا واحدا أكثر من اللعب، وهو قول الحقيقة، ويقف إلى جانب الضعفاء في المواقف جميعها. في صباح يوم مشمس كان (علي) يلعب مع زملائه في ساحة المدرسة، حتى توقفوا عن اللعب فجأة عند سماع صوت بكاء منتشر في الساحة. توقف (علي) وأدار رأسه ليبحث عن مصدر الصوت، فرأى طفلا صغيرا من الصف الأول جالسا على الأرض، يمسح دموعه بكم قميصه، اقترب منه وقال بلطف: ــ ما بك يا صديقي؟ أجابه الطفل بين شهقات متقطعة: ــ أخذوا كرتي… ودفعوني… وسخروا مني. رفع (علي) نظره، فرأى ثلاثة تلاميذ من الصف السادس، يقفون بعيدا، يضحكون ويمررون الكرة فيما بينهم، لم يتردد، بل أخذ نفسا عميقا، وسار نحوهم بخطى ثابتة، وكان قلبه ينبض بسرعة، لكنه تذكر قول جده: ـ الشجاع من يقف مع الحق، لا من يرفع صوته، بل يظهر شجاعته بأفعاله. وقف أمام التلاميذ الثلاثة، وقال بصوت هادئ، لكن فيه حزم: ــ هذه الكرة ليست لكم، وصديقنا الصغير حزين لأنكم آذيتموه، القوة الحقيقية أنْ تحموا من هو أضعف منكم، لا أنْ تؤذوه. ضحك أحدهم ساخرا: ــ وإنْ لم نعدها، فهل ستأخذها منا؟ رد (علي) بهدوء: ــ لن أستخدم القوة، لكن ما فعلتموه خطأ، والإمام علي (عليه السلام) علمنا أنْ نقول الحق حتى لو كنا وحدنا. نظر التلاميذ إليه باستغراب، ثم تبادلوا نظرات صامتة، ثم اقترب أحدهم من الطفل الصغير، وناوله الكرة بدون أنْ ينطق بكلمة. غادروا الساحة بصمت، بينما عاد (علي) إلى مكانه، وقلبه يخفق لا من الخوف، بل من فرحة الانتصار للحق. بعد الفرصة، سمعت المعلمة بالحادثة، فطلبت من التلاميذ أنْ يجلسوا بهدوء، ثم قالت: ــ اليوم أظهر (علي) شجاعة حقيقية، شجاعة استلهمها من شجاعة رجل عظيم ولد في أيام كهذه. فسأل أحد التلاميذ بدهشة: ــ من هذا الرجل يا معلمتي؟ ابتسمت المعلمة وقالت: ــ إنه الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) الذي ولد في الكعبة المشرفة، وكان رمزا للحق والعدل، وما فعله زميلكم اليوم هو خلق من أخلاقه (عليه السلام). طأطأ (علي) رأسه خجلا، وهمس لأحد أصدقائه: ــ هكذا علمني أبي، قال: إن من يحب الإمام عليا (عليه السلام)، فعليه أنْ يقتدي به في أفعاله. رفع أحد التلاميذ يده، وسأل بدهشة: ــ ولكن يا أستاذة… هل يمكن لطفل صغير أنْ يقتدي برجل عظيم كالإمام علي (عليه السلام)؟ أجابت المعلمة: ــ كلنا يمكننا أنْ نقتدي بالإمام (عليه السلام) بما نستطيع، فعندما نقول الصدق، أو نساعد المحتاج، أو ندافع عن المظلوم، نكون قد خطونا خطوة على طريقه (عليه السلام). في نهاية الدرس، كتبت المعلمة على اللوحة: كنْ شجاعا، كنْ صادقا، كنْ شيعة لعلي (عليه السلام). نظر التلاميذ إلى زميلهم (علي)، وقد صار في أعينهم بطلا مدافعا عن الحق، بطلا لا يرفع صوته، بل يرفع من قيمه.