ما بين القلوب والعقول
كانا يجلسان في الغرفة ذاتها، تفصل بينهما طاولة خشبية عتيقة، يراقبان أعمدة البخار وهي تتصاعد عبر شعاع الشمس المتسلل من النافذة، على الطاولة كوبان من الشاي لم يلمسهما أحد وقد توقف بخارهما عن التصاعد بينما كان الصمت ثالثهما ثقيلا كالحجر. نظر (محمد) إلى أمه فرأى بريق الدموع في مآقي عينيها تتراكم لكنها لا تسقط، كانت تمسك بها بقوة مثلما علمته ذات يوم كيف يبني جدرانا حول قلبه ليحميه، أما هو فحاول أنْ يعلمها كيف تهدم الجدران حول عقلها. وفي لحظة انفجار بعد كل هذا الصمت، همس لها: الحياة ليست معادلة رياضية يا أمي، أحيانا يجب أنْ تسمحي للقلب أنْ يقود، بينما هي كانت تنظر إلى قراراته العاطفية أنها حماقة، وهو يرى حذرها المفرط موتا بطيئا للروح. وذات يوم، نظر إليها وقال بصوت هادئ كالنسيم: لا أريد خطة بديلة يا أمي، أريد قلبا يسعني، ليس عقلا محاسبا، حينها شعرت فجأة بأن كلماته اخترقت كل دفاعاتها المنطقية، ووصلت إلى ذلك المكان الخفي في أعماقها، حيث ما تزال تحتفظ بأحلام طفولتها. والآن، أمام الطاولة ذاتها، راحا يتحدثان مرة أخرى، ثم نهض (محمد) ممتعضا: ينتهي الأمر دائما هكذا، أليس كذلك؟ لكن هذه المرة حدث شيء مختلف، فبينما كان يهم بالخروج، سمع صوت كوب الشاي يتحرك، نظرت إليه والدته وعيناها تفيضان بحب لم تعد تخفيه، وقالت بصوت ارتج من شدة المشاعر: انتظر... ربما... ربما يمكننا أنْ نتعلم معا، أنت تسمح لعقلك أنْ يرشدك قليلا، وأنا أسمح لقلبي أنْ ينبض قليلا على طريقتك. توقف (محمد) عند الباب، ثم عاد ببطء وجلس وأمسك بيدها المرتجفة، تلك اليد التي بنت له مستقبلا، لكنها نسيت أنْ تعلمه كيف يعيش الحاضر، نظر في عينيها ورأى الجدران وهي تتهاوى واحدا تلو الآخر، منذ تلك اللحظة لم تعد المعركة بين القلب والعقل، بل أصبحت رحلة اكتشاف بين أم وابنها، تعلمت منه كيف تزرع زهرة عشوائية في شرفتها المرتبة، وتعلم منها كيف يضع خطة لحلمه من دون أنْ يقتل، واكتشفا معا أن أجمل المعادلات في الحياة هي تلك التي تجمع بين دقة العقل ودفء القلب، وأن الحياة ليست معركة يجب الفوز فيها، بل لوحة يمكن أنْ يرسماها معا بلونين مختلفين، لكنهما يكملان بعضهما.