رياض الزهراء العدد 226 بريد القراء
حين يتحول الطعام إلى مظهرٍ اجتماعي.. ضياع الجوهر في تفاصيل ثانويةٍ
مع تعاقب الأجيال نتذكر ذلك الزمان الذي اتسم بالبساطة والقناعة، إذ كان طعامنا في المدرسة يحوي بعض أنواع الخضار، وأحيانا الخبز مع بيضة أعدت بدفء ووضعت في كيس أبيض، مع قنينة ماء تحمل أشكالا مختلفة كالموز أو التفاح أو قنينة عادية إذ كانت هذه التفاصيل البسيطة كفايتنا، لكن مع تغير متطلبات العصر الحالي تغيرت التفاصيل والمفردات، وأصبح يطلق على حافظة الطعام اسم (Lunch Box)، وبدأت تتنوع المأكولات داخلها، بين الفاكهة والخضار والفطائر وأصناف من الحلوى. إن حافظة الطعام الصحية لها عدة أنواع، وتحفظ حرارة الطعام أو برودته، مثلما تتسع لخيارات متعددة للطفل، فهي تسهل عمل الأم وتريح طفلها، لكن في الآونة الأخيرة أصبح الأمر أكثر من حاجة لحفظ الطعام وتوفيره للطفل، بل اتسع الأمر ليكون مظهرا من مظاهر التفاخر بين الأطفال، وأضحى ميدان استعراض لما فيها، فبعض الأمهات توثق طريقة ترتيبها للأكل على مواقع التواصل، وأخرى تجري تحديا بأغلى (Lunch Box) في العالم وتضع فيه أفخم المأكولات، وأخرى صنعت أكبر (Lunch Box) في العالم ووضعت فيه حتى ابنتها، مواقف غريبة تعكس أفكارا غير منطقية، فيأتي التساؤل: هل الغاية من الذهاب إلى المدرسة هي حافظة الطعام؟ وهل هي الميدان الذي يجب أنْ نركز عليه؟ كانت الأجيال السابقة تحمل أكياسا شفافة فيها الطعام، وهم اليوم أمهر أطبائنا وأمهر مهندسينا وفنيينا وقادتنا، وغيرهم، أما اليوم فقد اتجه الأطفال وأمهاتهم إلى الشكليات بدلا من الجوهر، فأصبح تسويق القرطاسية والمستلزمات المدرسية بصورة مبالغ فيها، واتجهت الأجيال الصاعدة نحو الاهتمام بالمظهر دون الجوهر، وبهذه الطريقة تم تسفيه نظرة الطفل للحياة، فيعظم الصغائر ويصغر الكبائر، ويهتم بتفاصيل ليست مفصلية في الجانب التعليمي، وهذا الغرس الذي تغرسه الأمهات وهن غير مدركات لخطورة الأمر بدأ ينمو؛ لنرى تراجعا في كثير من التصرفات البديهية، كاحترام المعلم والاهتمام بالتعليم، لا مجرد مرحلة يجتازها الطالب ليحقق النجاح في الدروس لتؤهله للعبور إلى المراحل الأخرى. لا تزال ذاكرتي تحمل صورة جدي وهو يترجم لنا مادة اللغة الإنجليزية ونحن في المرحلة الإعدادية، وهو لم يكمل دراسته، ففي زمانهم كان من يتخرج في الإعدادية يحمل من العلوم والمعارف ما لا يمكن مقارنته مع طالب البكالوريوس في زماننا، ونقطة الفصل هي الاهتمام بجوهر العلم، لا بما يوفره لنا من فرص عمل أو ما نحصل عليه من ألقاب علمية. لابد للأمهات من أنْ ينتبهن إلى ما يغذين به أطفالهن من أفكار؛ لأنها ستكون يوما ما منهج حياة، فمما لا شك فيه ضرورة الاهتمام بطعام الطفل، لكن من الضروري ألا نجعله محور اهتمامه والوجهة ليتفاخر به على زملائه، بل ليكن العلم هو المقياس للتفاخر.