الهدوء سلاحك: دروسٌ من موسم الامتحانات

زينب شاكر السماك/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 69

مع حلول موعد امتحانات نصف السنة تبدأ البيوت بالتحول إلى ساحات استعداد وترقب، تمتزج فيها مشاعر الخوف بالحرص، والقلق بالأمل، ففي كل موسم امتحاني تتكرر الصورة ذاتها، طلاب يراجعون ما تعلموه، وأمهات يسهرن على الدعاء والمساندة، وآباء يحاولون بث الطمأنينة في القلوب الصغيرة التي تخوض أولى اختباراتها الحقيقية في الحياة، لكن الامتحان في جوهره ليس مجرد اختبار للذاكرة أو حصيلة للدرجات، بل إنه تجربة إنسانية وتربوية تختبر وعينا وتوازننا جميعا بصفتنا تدريسين، أو أولياء أمور، أو طلاب. يقال إن الإنسان لا ينضج بمرور السنوات، بل بالمواقف، والامتحان أحد هذه المواقف التي تصقل الشخصية وتكشف جوهر الإرادة، إنه مرآة تعكس مدى استعدادنا للحياة، كيف نخطط، وكيف نواجه الضغوط، وكيف نحافظ على هدوئنا حين تضيق المسافات، وبصفتي أما ومدرسة أؤمن أن علينا إعادة تعريف معنى الامتحان عند أبنائنا، فهو ليس معركة نخوضها لننتصر على الورقة، بل تدريب على الحياة نفسها، فعندما يتعلم الطالب كيف ينظم وقته، وكيف يوازن بين العمل والراحة، وكيف يقاوم التسويف، فإنه يبني في داخله شخصية تعرف قيمة الجهد ومعنى الاستمرار. إن الامتحانات ليست مجرد عبور نحو مرحلة دراسية جديدة، بل هو خطوة نحو النضج النفسي والإداري، وبناء الذات الواعية التي تعرف كيف تدير حياتها بثقة؛ لذلك إن أول ما يحتاجه أبناؤنا ليس المراقبة الصارمة، بل الثقة الهادئة، وليس الصوت المرتفع، بل الحضور الهادئ الذي يمنحهم الأمان عبر كلمات كـ(أنا أثق بك) التي تفتح في داخلهم طاقة تفوق عشر ساعات من الدراسة؛ لأن الثقة تحرك ما لا تحركه التعليمات، والاحتواء هو أول الدروس، والإيمان بالقدرة هو المفتاح الذي يفتح كل الأبواب المقفلة. وفي هذا العصر الرقمي لا يمكن أنْ نغفل عن تحد جديدٍ يواجه أبناءنا، ألا وهو تشتيت مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تحولت الشاشات إلى سارقٍ خفي للتركيز والوقت، وإلى مرآة مشوهة تزرع المقارنة وتضعف الثقة بالنفس، ودورنا هو أنْ نزرع الوعي لا المنع، وأنْ نعلم أبناءنا أن التكنولوجيا أداة نحن من يتحكم بها، لا هي من تتحكم بنا، وأن قيمتهم لا تقاس بعدد المتابعين، بل بعدد الأهداف التي يحققونها في الواقع. رسالة إلى الطلاب وأولياء الأمور استعدادا للامتحانات: 1ـ إن النجاح الحقيقي ليس في الدرجة الكاملة، بل بالوعي الذي يبنى داخل النفس. 2ـ يجب أنْ نفرح بالجهد لا بالنتيجة وحدها، وأنْ نثق أن كل مجهود اليوم هو رصيد لنجاح قادم. 3ـ لابد للأمهات من أنْ يمنحن أبناءهن الطمأنينة لا القلق، والكلمة الطيبة لا التوبيخ، فالحب يبني الإنسان، والإيمان يعظم الحلم. إن موسم الامتحانات ليس نهاية الطريق، بل بداية إدراك أن الحياة فيها امتحانات متجددة، والتفوق الحقيقي هو أنْ نصبح في كل يوم نسخة أهدأ، أعمق، وأقرب إلى ذواتنا.