بين البيت والفضاء الافتراضي: معادلة المرأة في العصر الحديث

فاطمة سلام العابدي/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 175

إن الشعور بالمسؤولية المجتمعية لابد من أنْ يكون في وجود كل فرد، لكن بعضهم يتصدى أكثر من البقية لحرصه الشديد على إتمام رسالته الوجودية في الحياة. السيدة (فاطمة السيد أحمد الموسوي) الكاتبة والباحثة البحرانية التي تحمل هموم المرأة المسلمة وقضاياها المعاصرة وتكتب برؤية دينية رسالية، تسعى إلى ربط الوعي الديني بالأبعاد الاجتماعية والفكرية للجيل الجديد، ولمعرفة تفاصيل أكثر كان لمجلة رياض الزهراء (عليها السلام) حوار معها: ـ ما أبرز التحديات التي تواجه المرأة اليوم في ظل الانفتاح الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي؟ في زمن الانفتاح الرقمي العاصف، تقف المرأة المسلمة الواعية لرسالتها أمام تحديات شائكة لا يمكن إنكارها؛ لأن فضاءات مواقع التواصل لم تعدْ مجرد وسائط بريئة للتعارف أو الاطلاع على الأخبار، بل تحولت إلى ساحات تمتحن فيها الهوية وتختبر فيها القيم، وتبتلى فيها النفوس بمدى قدرتها على حفظ حدود العفة والالتزام، ومن أبرز تحديات المرأة اليوم: السيطرة على النزعة الاستعراضية: إن هذا التحدي امتحان حضاري يعنى بمستقبل العفة في مجتمع يواجه طوفان الثورة الرقمية، والمرأة الرسالية ليست مطالبة بالانسحاب أو العزلة، لكنها مدعوة إلى أنْ تدخل بوعي عميق لتقديم العلم والحكمة لا لتقديم ذاتها، فتدخل برسالتها وأفكارها، لا بإبراز ملامح وجهها. هيمنة النسوية الفردية الرقمية: لقد تمددت النسوية الفردية في الفضاء الرقمي، حتى غدت أشبه بتيار خفي يعيد تشكيل وعي المرأة وصورتها عن نفسها، إذ تدخل إلى المنصات تحت شعارات براقة كإثبات الذات، والحرية، وكسر القيود، لكنها في الجوهر تسقط المرأة في فخ الانسلاخ عن قيمها الأصيلة، وهذه الهيمنة لا تمارس بالقوة الظاهرة، بل عن طريق رسائل متكررة تضعف الحس الديني، وتجعل العرف الأصيل يبدو رجعيا ومتخلفا، وتقدم الأصالة على أنها عبء يجب التخلص منه، فيتراجع أثر الدين في السلوك، وتتصدع سلطة القيم. ـ كيف توازن المرأة بين العالم الافتراضي المتسارع، وبين واقعها الأسري الذي هو الأصل؟ إن الانغماس في الفضاء الرقمي يسرق من المرأة حضورها داخل الأسرة، فيصبح حضورها بين المتابعين أثقل من حضورها وسط أسرتها وأولادها، ومن ثم يضعف البناء الأسري، وهذه المفارقة خطيرة؛ لأنها تهدد المعنى الحقيقي لوجود المرأة، وهو أنْ تكون ركن البيت الأساسي؛ لذلك عليها جعل هذه التقنيات وسيلة لا غاية، وأداة لا مركزا، وأنْ تدخر لنفسها وقتا مضاعفا للحياة الواقعية، وألا تغفل عن وهج العائلة. ـ كيف يمكن للمرأة أنْ توازن بين حضورها في المجتمع وبين حفظ هويتها الدينية والأخلاقية؟ المرأة في رحاب المجتمع كالشجرة، أغصانها ممتدة نحو الفضاء الاجتماعي لتؤتي ثمارها من تأثير ومعرفة وفعل صالح، والتوازن بين الحضور الاجتماعي وصون الهوية الدينية والأخلاقية ليسا متضادين، بل يعني انسجاما دقيقا بين الأصالة والانفتاح، ولحفظ هذه الهوية عليها أنْ تكون واعية على حدودها، ومدركة بأن الالتزام الديني والأخلاقي ليس عائقا أمام المشاركة، بل هو حارس للروح، يمنح حضورها قوة ووضوحا، والحجاب ليس مجرد لباس، بل علامة على وعيها بقيمتها، ويصونها من الاختلاط المنفلت، ويحفظ الأمن الأخلاقي في المجتمع. ـ ما الرسالة التي تحرص الكاتبة الحوزوية على إيصالها إلى المرأة الشابة في هذا الزمن المتسارع؟ قلم الكاتبة الحوزوية ليس مجرد أداة للكتابة أو إبراز فنون اللغة وأدبياتها، بل هو مداد يحمل رسالة إلى الروح، ويشيد جسورا للفكر والوعي، ويبين الهوية والقيم الحقة، ويظهر المرتكزات الإسلامية التي تشكل الأساس لهذا الوجود، ومهمته ليست الكتابة فقط، بل ليوقظ، ويذكر، ويضيء العقول، فجوهر الوعي لا ينال بالتمرير العابر، بل بالوقوف العميق على المعاني، والمعرفة التي تلتقط على عجلة من دون وعي وتمحيص تبقى سطحية عابرة لا تثمر في القلب نورا ولا في السلوك أثرا، أما المعرفة التي تحتضن بتأمل وتدقيق، فهي التي تتحول إلى هداية تضيء الدرب، وتبني العقل. ـ هل تجدين الكتابة ما تزال وسيلة مؤثرة في نشر الوعي على الرغم من هيمنة الصورة والفيديو في مواقع التواصل؟ نعم، ما تزال الكتابة تحتفظ بسطوتها في زمن الصورة والفيديو، فالكلمة ليست مجرد حروف تقرأ، بل أثر يتجذر في الوعي ويمتد في الذاكرة، فالصورة تلمع للحظة ثم تخبو، أما الكلمة فتتسرب إلى الأعماق وتعيد تشكيل الفكر والوجدان؛ لذلك بقيت كلمات المعصومين (عليهم السلام) والكثير من المفكرين والحكماء خالدة وإرثا فكريا عظيما، فكانت تنير مسارات التاريخ حتى اليوم، كنهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام) الذي ما يزال يهز الضمائر ويبني الوعي بعد قرون طويلة، فالكلمة حين تصدر من الصادقين، تتحول إلى منارة توقظ، ونور يهدي، وجسر يربط الإنسان بالمعنى العميق للحياة، فالكتابة تمنح القارئ فسحة للتأمل، وتدعوه إلى أنْ يقف أمام نفسه بعيدا عن إيقاع العبور السريع للصور والفيديوهات. ـ كيف تصوغين خطابا مكتوبا يفهمه الجيل الجديد من دون أنْ يفقد عمقه الديني والفكري؟ الخطاب المكتوب الموجه إلى الجيل الجديد لا يصاغ بالتبسيط المخل ولا بالعمق المنغلق، بل بمزجٍ دقيقٍ يجعل المعنى راسخا والكلمة مشرقة وشفافة، فالمعرفة حين تلقى في قوالب جافة تنفر القارئ، وحين تسكب في زخارف مبالغ فيها تفقد رسالتها، أما إذا ارتدى الفكر ثوب البلاغة الرشيقة، ورافقته السلاسة التي تحاكي عقل الشاب وروحه، عندها يظل النص محتفظا بعمقه الديني والفكري من دون أنْ يغترب عن قارئه، فالكتابة لهذا الجيل هي استدعاء لجمال الأدب ليكون جسرا للمعرفة لا حجابا دونها، إذ تتصالح الكلمة مع رسالتها، وتبقى راسخة في الفكر، وملامسة للقلب. ـ كيف يمكن أنْ نشعر الجيل الجديد بأن الدين ليس عائقا أمام التقدم بل هو أساسه؟ الدين ليس جدارا يوقف طموح الإنسان، بل أساس متين لكل تقدم حقيقي، إنه يزرع في النفوس قيم الصدق والاجتهاد والصبر، ويوجه العقل نحو رؤية متزنة للحياة، فلا يتحول التقدم إلى فوضى أو انحراف في مفاصل الحياة اليومية، من العلم إلى العمل إلى المجتمع، الدين يوفر خارطة توجيه أخلاقية وعقلية تساعد على اتخاذ القرارات الصائبة، وتحويل المعرفة إلى إنجازات ملموسة، وحين يفهم الجيل الجديد أن التزامه بالدين لا يقيد حريته بل يمنحه أفقا أوسع للابتكار، وأن التقدم لا يقاس بالسرعة فقط، بل بالوعي والمسؤولية، فسيدرك أن الدين هو رافع للكرامة، وقوة للفكر، وعمود للارتقاء بالإنسانية، وليس عائقا أمام تطور الحياة. ـ ما الدور الذي ترينه للمرأة المثقفة الحوزوية في ربط الأجيال بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام)؟ المرأة المثقفة الحوزوية هي الجسر الحي بين الأجيال في ربطهم بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام)، وهي المرشدة التي تزيل الحجب العائمة فتكشف الحقائق وتعيد للأجيال الرؤية الصافية بعمقها الروحي، وترسخ في نفوس المجتمع الأصالة والهوية الدينية، فتمنع التشويش الذي تطرحه التيارات الثقافية العابرة، وتزرع بذور الوعي النقدي الجمعي عبر استخدام أدوات متعددة، منها الكلمة المبصرة في الدروس والمجالس، فضلا عن كونها القدوة العملية في الالتزام والسلوك، إضافة إلى ممارسة الكتابة النافذة إلى القلوب، والنصيحة الرقيقة التي توقظ الضمائر، وبذلك لا تكتفي بإيصال المعرفة، بل تصنع تجربة حية من الانصهار بين الدين والحياة؛ لتصبح الأجيال قادرة على فهم الآيات المباركة والسنة الشريفة بوصفهما مسارا للحياة، ومرشدا للسلوك، ومنارة للوعي والارتقاء.