الحياة ليست تجربة: كيف تغير المحدودية قراراتنا؟

رقية محمد صادق تاج/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 139

يظن الكثير منا أن هناك دائما فرصة ثانية، بل ثالثة ورابعة، وأكثر، نعتقد واهمين أن في الغد المزيد من الاختبارات والمفاجآت والمكافآت، وبالطبع الأمل جميل ومهم، فما أضيق الحياة لولا فسحة الأمل، لكننا ومن حيث لا ندري ننسى أننا نعيش مرة واحدة فقط في هذه الدنيا الفانية! نعم، قد يكون ما تعيشينه اليوم هو واقعك الأخير، وليس تجربة واستعدادا لشيء سيقع في المستقبل، ووفق هذه النظرة تتغير الكثير من الأمور، وستكونين وجها لوجه أمام حقيقة قد تكون مرة ومؤلمة، ألا وهي أنك إنسان محدود في كل شيء، منها وقتك الذي ينفد كالماء من بين يديك وهو الذي يجب أنْ يكون سيفا قاطعا لك أو عليك، وثروة لا تعوض ولا تقدر بثمن، وقد روي عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أنه قال: "المغبون من غبن عمره ساعة"(1)، فالإمام (عليه السلام) يشبه هذه الخسارة بمن باع شيئا بثمن بخس، فضيع وخسر من عمره، فالعمر هو رأس مال الإنسان. إذن، جربي وليوم واحد فقط أنْ تفكري باللحظة الراهنة كأنها آخر لحظة لك، رددي فكرة: للمرة الأخيرة مع كل حركة وسكون تقومين بها، فكم ستكون نسبة الجودة والإحساس والقيمة بها يا ترى؟! فلو أننا تصورنا كل صلاة وفريضة ودعاء هو آخر تواصل لنا مع رب العزة في هذه الدنيا، فكم ستتغير درجة الإخلاص والتوجه والانقطاع إلى الله تعالى؟ فحتى لو عشنا مئة سنة أخرى، ألا يستحق ربنا المنعم المفضل علينا أنْ تكون عبادتنا له بهذا الشكل والكيفية؟! لو عرفنا حقيقة محدوديتنا، فكيف سيكون أداؤنا وإتقاننا للعمل أو الوظيفة التي نتقاضى الأجر عليها لنكون فعلا مستحقين لهذا المال؟ في المجال العملي بالذات، نحن في الحقيقة ضحايا لفكر اقتصادي يمنعنا - لمصالح مادية بحتة - من هذا النمط من التفكير، فهو فكر رأسمالي يشجع على التخطيط المتطرف للغد، والترويج لصورة أقرب ما تكون إلى المثالية، تنص على أن العمل الكثير والشاق هو انعكاس للنجاح والتفوق، والواقع هو أن العمل يقاس بالجودة والكيفية وليس بالكثرة والكمية. أما من الناحية الاجتماعية، فتحقيق هذه التصورات قد يكون أسهل، هبي أنك لن تري أمك أو أباك، أو أخاك أو شريك حياتك أو طفلك أو صديقتك إلا في هذا اليوم، أو الساعة، أو الدقيقة، فكيف سيكون تعاملك معهم؟ أدبك، حبك، سلوكك، سعادتك ومتعتك، والأثر الذي سيكون في آخر مشهد لك معهم؟ تتوافد الأمثلة والتساؤلات في هذا السياق والنتيجة واحدة، وهي أن الموت سيأتي في يوم ما ويضع حدا لكل ما سيكون بين أيدينا، لن ينتظرك ولن يسألك إنْ كان الوقت مناسبا لك، ولن يأخذ إذنك في المجيء لاحقا إنْ لم ترغبي بالمغادرة في هذا التوقيت، إذن ستكون هناك مرة أخيرة، تطفئين فيها منبه الساعة، والمناجاة الأخيرة مع الله سبحانه في السحر، وجلساتنا وأحاديثنا مع من نحب، وواجباتنا الوظيفية، وإنتاجاتنا وإنجازاتنا، ووقتنا المهدر على وسائل التواصل الاجتماعي، وكم ستقل لذة الخطيئة إنْ عرفنا أنها آخر زادنا في الدنيا، وسيبهت لون الخلافات التي لا طائل منها إنْ اكتشفنا أنها آخر مشهد ولن يكون هناك غد لحلها وتصفية النفوس المتنازعة، وفي المقابل سترتفع كثيرا قيمة الخير والإحسان إلى الآخرين، ومسامحتهم وتقديم العون إليهم. الاستعداد لهذه المواقف لا يكون إلا بمواجهة محدوديتنا، وتقبل فكرة أن اللحظة الراهنة هي كل ما نملك، سنترك حينها الكثير من الأفعال وردات الأفعال، وسننسحب من الكثير من المعارك التي لا أهمية لها، سنعيد ترتيب أولوياتنا، وسنكف عن تأجيل الضروريات، سنقلل ونقنن من ساعات العمل، وسنركز على الأهم ثم المهم، إنْ سنحت لنا الفرصة لذلك! ............................ (1) نزهة الناظر: ص123، ح6.