التكليف سبيل الوصول إلى الكمال

رجاء علي البوهاني/كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 48

تشير الآيات القرآنية العديدة إلى أن الله (عز وجل) لم يخلق الخلق عبثا بل لأجل هدف وغاية وهي الوصول بهم إلى أرقى درجات الكمال والسعادة الدائمة، فخلقهم للعبادة: )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( (الذاريات:56)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: "خرج الحسين بن علي -عليهما السلام - على أصحابه فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، فقال له رجل: يا بن رسول الله، بأبي أنت وأمي، فما معرفة الله؟ قال (عليه السلام): معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته"(1)، وسئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ما العقل؟ قال (عليه السلام): "ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان"(2)، وفي آية أخرى يشير القرآن الكريم إلى غاية الخلق وهي الرحمة، مثلما جاء في قوله تعالى: )إلا من رحم ربك ولذٰلك خلقهم( (هود:119)، أي خلقهم ليرحمهم، ورحمته تعالى هي السعادة والنجاة. وإذا كان خلق الله تعالى الإنسان لغاية وهدف، لزم عليه تعالى أن يوصله لما خلقه من أجله، فلما (كان فعله سبحانه منزها عن العبث، يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كل مكلف إلى الغايات التي خلق لها)(3)، وذلك بتكليفه بما يوصله إلى الكمال، وزجره عما يمنعه عنه، وفي ضوء هذا التكليف يرتقي مدارج الكمال، فلا يتحقق غرضه تعالى إلا بتكليف العباد، فبعث إليهم الأنبياء والرسل؛ ليبلغوهم رسالاته ويعلموهم أحكامه، ويبشروهم بالثواب، وينذروهم مخالفة أوامره تعالى، ويحذروهم من العقاب، كل ذلك لإيصالهم إلى الغاية التي خلقوا من أجلها. والغرض من تكليفهم ليس أن يعطيهم النفع فقط، إنما الغرض الإلهي أن يصلوا إلى الكمال الاختياري، فالوصول إلى الكمال الإجباري لا قيمة له، فإنه تعالى منح العباد الاختيار في امتثال الطاعة أو المعصية، وجعل هذا التكليف سبيلا لتكاملهم. إن الله (عز وجل) زود الإنسان بالعقل، وأودع فيه إدراك الحسن والقبح في الأفعال، إلا أن ذلك لا يعد كافيا لمعرفة طريق الرشاد والوصول إلى الهدف الذي خلق من أجله، فالعلم بالذم على الفعل القبيح لا يكفي لزجر العباد عن فعل القبيح، فكثير من الناس لا يعبؤون بالمدح والذم، ويرجحون شهواتهم ورغباتهم على ذم العقلاء، فلا يكون المدح والذم بديلا عن التكليف، وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "أيها الناس! إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد"(4)، فتكليف الله (عز وجل) العباد فيه غرض، ولكن هذا الغرض لا يعود إليه سبحانه وتعالى فهو الغني في ذاته، لكنه يعود على المكلف نفسه، إذ يتمكن من الوصول إلى النفع باختياره، وهو السبيل الوحيد لتحفيز العبد على الفعل الحسن، وزجره عن الفعل القبيح. ............................... (1) كلمات الإمام الحسين (عليه السلام): ج1، ص 540. (2) الكافي: ج1، ص11. (3) الإلهيات: ص290. (4) الاحتجاج: ج1، ص309.