رصيد لا ينفد

خلود ابراهيم البياتي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 6

ورد عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: "ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد نفعه عمله، ولم يضره أجله"(1). إنها كلمات ذات أثر عميق، ترسم فلسفة الحياة لدى الإمام علي (عليه السلام)، وتضع حدود الخارطة المستقبلية لتطوير أساليب استثمار الفرص قبل فوات الأوان وحلول الأجل، فهناك الكثير ممن يبحث وينقب بكل ما أوتي من قوة عن طريق جمع الأموال والممتلكات وتكديسها طوال مدة حياته، وهناك من يحاول نيل الشهادات والألقاب العلمية بكل الطرق: الصحيح منها أو الملتوي، لكن الثلة القليلة هي التي تسعى إلى جمع رصيد من نوع آخر، بعيد عن الأمور المادية الفانية. نعود لنلقي نظرة فاحصة على التخطيط العلوي المبارك لنجد أنه يسلط الضوء على استثمار أيام الأمل لتنتج طاقة إيجابية تؤجج في الروح شعلة السعي لتحدي العقبات؛ كي تترجم إلى عمل حقيقي واضح المعالم يؤتي أكله كل حين، فيصبح ذاك الإنسان منارا هاديا، ورمزا للسلام وحب الخير، إذ يدرك أن هناك فرصا ذهبية لابد من اقتناصها. أهم الفرص هي أنفاسنا التي ننفقها الآن ونحن نقرأ هذه الكلمات، ونكاد لا نعي أهميتها في بناء المستقبل الجميل الذي يشغل بال الجميع مع اختلاف الأهداف، فهناك من ينظر له بوصفه مستقبلا دنيويا يتم تحديده بالأموال والمناصب التي يكدسها في مصرف الحياة، وفي الطرف الآخر هناك من ينظر للمستقبل نظرة أبدية لا نهاية له، وما ستجنيه يداه في نهاية المطاف. إن الاستثمار الأمثل يأتي عن طريق التعامل مع أيام الأمل بكل ذكاء ووعي، وإدراك قيمة الزمن الذي يمر بلا عودة، فالعمل قبل الأجل هو مصداق لاغتنام الفرص والادخار للمستقبل الأبدي. ولنيل تلك الغاية يجب أن يحدد الهدف بأن نسأل أنفسنا: هل نرغب في إنفاق الرصيد في الدنيا الفانية، أم ادخاره للآخرة الباقية؟ ثم نقوم بتجزئة ذاك الهدف إلى خطوات صغيرة لبناء صرح الإنجاز الدائم عن طريق بعض الأعمال الصالحة، منها على سبيل المثال: إصلاح ذات البين، بر الوالدين، ابتسامة رقيقة، تعلم مهارة مفيدة، إطعام حيوان جائع، أو أي عمل صالح مهما كنت ترينه بسيطا، لكنه مقرون بنية القربة إلى الله تعالى. ولا ننسى أن نراقب ونراجع أعمالنا كلما أرخى الليل سدوله؛ لنتمكن من تصحيح المسارعند الحاجة، فهذه بعض الخطوات لتحويل الأمل إلى إنجازات تشكل رصيدا لا ينفد. ......................... (1) غرر الحكم ودرر الكلم: ج1، ص178.