رياض الزهراء العدد 227 ألم الجراح
سامراء.. مدينة النور والانتظار
بينما أتابع أنوار سامراء كيف تتلألأ في ليالي شعبان، أدركت أن في هذه المدينة شيئا لا يشبه سواها.. شيئا يجعل القلب يخشع قبل أن تنطق الشفاه، ويهتز الوجدان قبل أن ترفع الأكف بالدعاء.. فحين تزدهر الأرواح وتضيء القلوب بالشوق، لا تعود تراها مدينة فقط، بل روحا تسكن التاريخ وتفيض بالعشق الإلهي، كأنها قطعة من الجنة نثرت على أرض العراق.. في سامراء كل زاوية تهمس باسم إمام غاب عن العيون ولم يغب عن القلوب، وكل ضوء من تلك الأنوار البيضاء يذكرك بأن الأمل لم يمت.. كيف يموت الأمل وفيها ينتظر المؤمنون فجر الظهور؟ كيف يطفأ الحنين والريح التي تمر في أزقتها تحمل عبق الدعاء، وتعيد إلى القلب يقينه الأول؟ تساءلت: هل ما يجعل سامراء جميلة هو عمرانها، أم وجدانها الذي لا يشيخ؟ هل ما يبكينا في شعبان هو الفرح بالميلاد، أم الشوق لمن غاب عن الأبصار ولم يغب عن الأرواح؟ في هذا الشهر المبارك، تتزين سامراء بما لم تتزين به مدينة في الدنيا.. فالزائرون من كل حدب وصوب، والأنوار من كل لون، والدموع من كل قلب.. تختلط الأصوات بين الدعاء والدموع، بين (اللهم عجل فرجه) وبين (يا صاحب الزمان)، كأن الأرض هناك لا تسمع إلا الأمل وهو يتلى صلاة لا تنتهي.. أتذكر سامراء القديمة، أيام كان الصغار يركضون في أزقتها حاملين الشموع، والنساء يوزعن الحلوى بفرح طفولي، كانت السماء تنحني لتبارك ذلك النور الذي يفيض من كل بيت.. واليوم على الرغم من كل التعب، وعلى الرغم من الجراحات، فما تزال سامراء تثبت أن النور أقوى من الرماد، وأن حب آل البيت (عليهم السلام) لا يخبو مهما طال الغياب.. ليست سامراء مجرد مدينة يحتفل فيها الناس في شهر شعبان، بل هي نبض الانتظار، وصوت الغياب، ورائحة الرجاء التي تملأ القلب باليقين.. هناك، بين ضريح الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام)، وبين تلك القباب الذهبية التي تعانق السماء، يشعر المرء أن فرج الله قريب، وأن الأمل مهما غاب فلا يمحا.. وضعت رأسي على الوسادة وكنت ما أزال أرى أنوارها في عيني، لم يكن الشوق للزيارة فقط، بل لحلم أن يكتمل هذا النور يوما بظهور الوعد المنتظر؛ ليعود إلى مدينتي بهاؤها، وإلى الإنسان سكينته، ولتبقى سامراء مثلما كانت دوما: مدينة الانتظار والنور..