رياض الزهراء العدد 227 الحشد المقدس
(سنشد عضدك بأخيك)
ذرفت دموعي وأنا أستعيد الأحداث في ذاكرة أنهكتها الحروب، وقلبٌ أتعبه الفراق، وأوجعه لهيب الاشتياق، بخاصة عند قراءة هذه الآية الكريمة: )سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون( (القصص: 35)، أبتسم بألم يختلط مع الأمل مع ثغر نصف باسم، فكل تفاصيل الأيام تعيدني إلى الوراء، إلى الطفولة وبراءتها، وإلى فتوة الشباب ومغامراتها، عشت معه تلك اللحظات الفذة، وكان يومي لا يخلو من ضحكاته التي تملأ قلبي دفئا وسرورا. كنا روحا واحدة، وقلبا واحدا، غير أن أحلامنا كانت مختلفة، فلطالما حلمت وأنا مستلق على العشب، واضعا يدي تحت رأسي إلى جانبه، أتأمل السماء وأتخيل نفسي أحلق بين غيومها طيارا يحمل طموحه جناحان، وأنا أحلم أحلام اليقظة أشاطره مغامراتي، وأخبره كيف سأجوب العالم بأسره، فتخترق كلماتي ضحكة عالية تصدح في الأرجاء، قلت له ذات مرة: هل أحلامي حقا تافهة إلى هذا الحد، لم هذا الضحك في كل مرة؟ فأجابني ببراءته التي اعتدت عليها: أنا لا أسخر من أحلامك، إنما من القدر وكيف سيصوغ لنا الأمور. أغمضت عيني لأرى في أحلامي ما الذي سيصبح عليه في المستقبل، فقفزت فرحا، وأشرت له بإصبعي قائلا بحماس طفولي: ستصبح طيارا مثلي، وسنقود الطائرة معا، لكنه باغتني بضحكة عالية استفزتني، فأشحت بوجهي عنه، ومضيت بضع خطوات نحو النهر القريب، التقطت بعض الأحجار الصغيرة وجلست عند حافة النهر، أرميها في الماء واحدا تلو الآخر، أصغي إلى صوت ارتطامها بسطح الماء، وإلى قطرات الماء وهي تتناثر وتصعد برفق إلى الأعلى، فجاء وجلس إلى جنبي، يبادلني الحديث عن الأمنيات، وقد هدأت بيننا تلك الثورة التي كادت تقضي على دفء الحكاية. فقال وهو يحدق في الأفق: أحلامي صادقة إلى حد لا يليق بها أن تبقى في حدود الخيال، بل خلقت لتكون واقعا يوما ما، ثم أردف قائلا بنبرة يملؤها الإيمان والعزم: إنها يا أخي لوحةٌ عظيمةٌ، يتجلى فيها الفداء والبذل في سبيل الله تعالى والوطن، إن حلمي هو أن أكون مدافعا عن وطني، أرضا وشعبا، أحميه بروحي مثلما يحمي القلب نبضه. فأضفت حلمه إلى حلمي، ورأيتني أحلق بطائرتي في السماء، بينما يقف هو على الأرض كجبل صلد عند خنادق الدفاع، يحمل الوطن في قلبه مثلما أحمله أنا على أجنحتي. انصرمت الأيام لنرى أحلامنا وقد غدت واقعنا، وأن ما كان يوما خيالا، صار حقيقة تروى بفخر واعتزاز، ومثلما أراد دائما، عاد شهيدا وقد أدى للوطن أسمى مراتب الوفاء، يقف الوطن اليوم أمام قبره مؤديا التحية بخشوع يليق بمن قدم روحه فداء له، أما أنا، فسأظل أقيم له تأبين الذكريات حتى يأذن الله تعالى لنا باللقاء.