باب الحسين (عليه السلام)
حينما تتفتح أكمام الورد عن براعم الوجد، تفوح العطور وينتشر البخور، فللبراعم قصةٌ لا ترويها إلا القلوب المحبة لذلك الحضور.. وحينما تنطلق قوافل الحق لتجتاز الصراط المستقيم، نابعة من عمق الروح متجهة إلى عمق اليقين، تتراءى في مقدمتها شخوصٌ ورايات، هم القادة والذادة، والأئمة السادة، ثم يأتي من يليهم ويحمل عنهم ويذوب فيهم، أعضادٌ، وأشهادٌ، وحفظةٌ، وروادٌ، أولياءٌ للأولياء، ونفحات مسك من شميم الولاء.. كذلك كان أولئك العظماء الذين نصروا الحق في زمن الخذلان، وقدموا الكل على مذبح الإيمان، أطاعوا وبروا بالعهد ولم يتزلزلوا عن يقينهم على الرغم من كل ما واجههم من ظلم وطغيان.. أولئك الذين محصوا بالبلاء فكانوا للتضحية عنوان، وغربلوا فكانوا صفوة أهل الزمان، وامتحنوا في أموالهم، وأنفسهم، وأولادهم، فتفوقوا في الامتحان.. وعلى رأس أولئك العظماء يتألق نجمٌ باهر، بل كوكبٌ زاهر، بل بدرٌ أضاء ولا يزال ظلمات الماضي والحاضر، إنه ذاك الذي تعجز عن وصف شمائله الأقلام والمحابر، قمر العشائر، ومنى النواظر، أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين (عليهما السلام).. ولعمري فإني حين أقف في فناء عظمته، بل أركع وأسجد للباري الذي رفع قدره بقدرته، وشرفه بعزته، ومنحه صفوة منحته، فإذا هو في الدنيا قبل الآخرة متشامخٌ بقبته، يرنو بعين مودته وولايته وعصمته الصغرى إلى قدوته، يستصغر شأن نفسه فيتعاظم، ويتواضع لإمامه فيتسامق، ويدخل باب حسينه مطأطئا هامته الشامخة، فيجعله كل زائر بابا لزيارته، فإذا هو ينتصب بمرقده وحضرته أمامه، وقد أبى إلا أن يكون له ملازما مواكبا بعد شهادته، مثلما كان متيما به مواليا في حياته، فكان الأكثر حبا وولاء له، والأكثر حضورا عنده حتى في برزخ جنته.. حين أقف في منطقة بين الحرمين، أحاول جهدي أن أجمع ببصري بين الشمس والقمر، عساي أن أحيطهما بصورة واحدة يضمها فؤادي ويجعلها عمادا لكل أبعادي، لكنني أعجز عن ذلك، فقوانين الفيزياء تأبى أن يخترق الباصرة شعاع جسمين متباعدين في المسافة.. أرغب في معجزة تحول المستحيل إلى ممكن، فأتذكر أن تلك المعجزة تحصل فعلا حين يعرض الله سبحانه لنا ذاك المشهد السماوي، حين يكون القمر واقفا في ظل الشمس، فنراهما شيئا واحدا! لعمري إن هذا المشهد هو الحاصل فعلا هنا، فقمرك يا مولاي ما فتئ يستظل بشمس محبوبك مذ كنت، وها أنت تطل على الدنيا من نافذة الرجاء؛ لتجد نفسك بكر أم هي سيدة الوفاء، وأب هو سيد الأوصياء، وبكر إخوة منها نهلوا منهلك، وشهدوا مشهدك، والتفوا برداء فضلك، حتى قدمتهم شهداء على أرض الفداء؛ ليكتبوا بدمائهم الزكية رسائل العطاء على مدى القرون، ولينضموا إلى ركب الأولياء، بل إنك كنت أيضا أبا لشبل من صلبك(1)، لم تبخل ببذله في سبيل حبك، فكان أمامك وبقربك، ورأيت بأم العين شهادته على دربك، فما ازددت إلا يقينا بصواب نهجك، ورضا ربك، وهل يتوقع من مثلك إلا أن يكون هكذا؟ ومن مثلك يا سيد القبة الشماء والقربة السمراء، أيها الحبيب القريب الذي لم يعرف لك الكون شبيها في الولاء؟ يا قدوة أهل الأرض ونبراس أهل السماء، تعجز الكلمات أن تصفك، والأفهام أن تعرفك، ومهما قلنا نجدنا مقصرين، فلا حرف في الأبجدية يحيط بحرفك، يكفيك من عظيم الفضل أنك أبو الفضل، ويكفينا معرفة بفضلك ما دونته أقلام أهل العلم من خطاب المعصوم لك: "بنفسي أنت"، و"العبد الصالح المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين -عليهم السلام-، و"بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود، فنعم الصابر المجاهد المحامي الناصر والأخ الدافع عن أخيه، المجيب إلى طاعة ربه، الراغب فيما زهد فيه غيره من الثواب الجزيل والثناء الجميل"(2). مهما قلنا ونقول في حقك يا سيد الأوفياء فقليل.. أعود إلى موقفي: (بين الحرمين)، وفي الكلمة ما يكفي من الرقي والبهاء الذي لا يجاريه إلا بهاء الأوصياء.. بلى، (بين الحرمين)، فلقد غدا حرمك يقف شاهدا على نصرتك للحسين (عليه السلام)، موازيا لموقفك الخالد بحضرته، وغدت كل أعمالك مذ ولدت حتى ارتقيت إلى عليين، نراها بأم العين، فنقولها ملء القلب والروح والعينين: السلام عليك يا باب الحسين، أشهد أننا لا ندرك الحسين إلا منك ومعك، ولا نعرفه إلا بك وبمن معك، فلقد كنت وما تزال وستبقى القائد الأوفى الذي ولد من أجل الحسين، وعاش حياته فيه، ثم بذل روحه ليدرك أقصى معانيه، فالسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا لتنصر التاسع من بنيه. ....................... (1) مناقب آل أبي طالب: ج3، ص259. (2) بحار الأنوار: ج45، ص66.