الطاعة عند أبي الفضل العباس (عليه السلام) نورٌ يهتدى به

زهراء سالم الجبوريّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 106

تعد الطاعة أمرا واجبا على الإنسان، فيجب على العبد طاعة الله تعالى والانقياد والامتثال لأوامره، وقد قرن الله تعالى طاعته بطاعة رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) الذي بعثه بالشريعة السمحة، وأكرمه وميزه عمن سواه من الأنبياء والمرسلين، فعلى من أراد الفوز برضا الله تعالى والظفر بجنات النعيم التي وعد المتقين والمقيمين لحدوده، أن يحقق طاعة الله سبحانه ورسوله قولا وفعلا في جميع نواحي حياته؛ ليجزيه الله تعالى الثواب العظيم الذي وعده به(1). إن (الطاء، والواو، والعين) أصل صحيح واحد يدل على الإصحاب والانقياد، فيقال: (طاعه يطوعه): إذا انقاد معه ومضى لأمره، و(أطاعه) بمعنى طاع له، ويقال لمن وافق غيره قد طاوعه)(2)، ولا يكاد يختلف معناها الاصطلاحي عن اللغوي، فكلاهما يتحدان في الدلالة على الانقياد، فهي الامتثال لأوامر الله تعالى، ولا تكون الطاعة مخصوصة بالله سبحانه وتعالى بل هي تشمل موافقة أمره سبحانه وغيره من البشر، وذلك لقوله تعالى: )أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم( (النساء:59)، وهي بذلك تكون خلاف العبادة التي تكون خالصة لله (عز وجل)(3)، ونلحظ أن الإمام الصادق (عليه السلام) قد خص عمه العباس (عليه السلام) بجملة من الألقاب في زيارته، وصفة العبودية التي يوصف بها الإنسان من الصفات التي تدل على مدى ارتباط الموصوف بالله (عز وجل)، وتنفيذه لما أمر به، وابتعاده عما نهى عنه بدلالة قوله (عليه السلام): "المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين صلى الله عليهم وسلم"(4)، إذ تجسد هذه العبارة الجوهر الحقيقي لشخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) في الطاعة والولاء الكامل، بدلالة قوله (عليه السلام): (المطيع لله)، إذ تشير إلى أن طاعته كانت قائمة على أساس ديني خالص، تتجاوز المصالح الدنيوية، وتعبر عن إدراكه التام بأن الطاعة لله تعالى هي أصل الفضائل وأساس كل خير في الحياة، ثم يمتد المفهوم إلى (ولرسوله) الذي يظهر فيه الإمام الصادق (عليه السلام) التزام عمه العباس (عليه السلام) بالاقتداء بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) ليس فقط بالقول، بل بالفعل والسلوك، مستلهما منه الصبر، والإيثار، والوفاء، والقيم التي شكلت جوهر شخصيته، والامتداد بعد ذلك إلى (ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين) الذي يعكس فيه ولاء العباس (عليه السلام) التام لأهل البيت (عليهم السلام)، فهم محور حياته، ومصدر القيم والسلوكيات التي التزم بها منذ الصغر، فالعباس (عليه السلام) لم يكن مطيعا لله وحده، بل كان وفيا لمن حملوا الرسالة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، محافظا على نهج الحق ومبادئ العدالة والإيثار، وهذا التسلسل في العبارة يوضح انسجام شخصية العباس (عليه السلام) بين الطاعة الدينية المطلقة والولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، مما يجعل منه أنموذجا متكاملا للقيم الإسلامية، الذي يجمع بين الإيمان العميق والعمل الصالح، ويجعل طاعته ممتدة من الله تعالى إلى رسوله ثم إلى الأئمة (عليهم السلام) وفق ترتيب يعكس الهرمية الروحية والأخلاقية في الإسلام، فالإمام الصادق (عليه السلام) قد عرف أبا الفضل العباس (عليه السلام) بالعبودية لله تعالى، وقرنه بوصف الصدق والصلاح والطاعة، أي طاعته لله سبحانه ورسوله، وضرب أبو الفضل العباس (عليه السلام) المثل الأعلى والأنموذج الأفضل في مضمار الطاعة، فهو بحق العابد والمطيع، وفي هذه الفقرة شهادة خاصة من المعصوم لأبي الفضل (عليه السلام) بالطاعة لله ورسوله ولأوصيائه؛ لأن الصديق هو المؤمن المطيع، ومن هنا تظهر عظمة الطاعة لله تعالى ولرسوله وللأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين). ..................... (1) ينظر: آيات الطاعة في القرآن الكريم (دراسة موضوعية)، أ.م.د. علاء حسين الشجيري: ص451. (2) مقاييس اللغة: ج3، ص432. (3) الكليات: أبو البقاء الكفوي: ص538. (4) مفاتيح الجنان: ص451.