الليث الهاشمي: علي الأكبر (عليه السلام)
عندما نستذكر طف كربلاء، ونستنشق عبير البطولة والفداء، يشرق في الأفق اسمٌ لامعٌ: علي الأكبر ابن الإمام الحسين (عليهما السلام)، ذلك الشاب الهاشمي الذي جمع بين جمال الصورة وجلال السيرة، وبين شجاعة الآباء ووقار الأنبياء. هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم (عليهم السلام)، النسب الذي اصطفاه رب السماء لهداية الناس، وحسب ذلك فخرا وعزا يقصر عنه المدح والتبجيل، هذا من جهة الآباء، أما أمه فهي ليلى بنت أبي مرة عروة بن مسعود الثقفي، و(عروة) هو الصحابي الجليل الشهيد زعيم ثقيف، وأحد أسياد العرب، وهو قامة سامقة في تاريخ الجاهلية والإسلام. وردت في حق علي الأكبر (عليه السلام) زيارات عدة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وقد أفرد لزيارته ألفاظ خاصة تدل على مزيد من العناية والتكريم الإلهي، وتكشف عن علو المقام، ورفعة الدرجة، ومن الزيارات ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "السلام عليك يا بن رسول الله، السلام عليك يا بن علي أمير المؤمنين، السلام عليك يا بن الحسن والحسين، السلام عليك يا بن خديجة وفاطمة، صلى الله عليك، لعن الله من قتلك، أنا إلى الله منهم بريء"(1)، فالألفاظ الواردة في الزيارة هي تقييم حقيقي لشخصه، فعندما يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (السلام عليك) فهي ليست مجرد تحية، بل دعاء وتعبير عن الولاء والاحترام، هذا من جهة أولا، ومن جهة أخرى أراد الإمام الصادق (عليه السلام) بيان السلسلة الشريفة التي ينتمي إليها علي الأكبر (عليه السلام)، فهو ابن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وابن سيد الوصيين وابن الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة (عليهم السلام أجمعين)، وابن السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) الذي بمالها قام الإسلام، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "ما قام الإسلام إلا بسيف علي ومال خديجة"(2)، وابن فاطمة الزهراء (عليها السلام) سيدة نساء العالمين، وبعدها أدرج الإمام الصادق (عليه السلام) اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن الله تعالى؛ لبيان أن الأمة التي أسرجت وألجمت وتنقبت لقتاله، والأمة التي سمعت بذلك فرضيت به، كلهم مشمولون باللعن لعظم مقامه (عليه السلام). وفي زيارة أخرى واردة أيضا عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "سلام الله وسلام ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين"(3)، في هذه الكلمات دلالة على أن الله تعالى بنفسه يسلم على هذا العبد المكرم، حتى الملائكة المقربين يسلمون عليه، وجميع الأنبياء والمرسلين من آدم (عليه السلام) إلى خاتمهم محمد (صلى الله عليه وآله) يشاركون في هذا السلام؛ لأنهم جميعا على طريق واحد وطاعة واحدة لله (عز وجل)، بمعنى أن عليا الأكبر (عليه السلام) هو امتداد لرسالات الأنبياء، ووارثهم في الهداية. إن الفتى الهاشمي الذي نحت سفر الإباء في سجل التاريخ، أشرق نوره في المدينة المنورة سنة (33هـ)، ولقد كان شديد الشبه بجده المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، إذ قال الإمام الحسين (عليه السلام) عندما برز علي الأكبر (عليه السلام) للقتال: "اللهم اشهد أنه برز إليهم أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك، وكنا إذا اشتقنا لنبيك نظرنا إليه"(4)، فضلا عن صفاته الأخرى كالشجاعة وغيرها من الصفات، والمحاورة الآتية تبين جانبا من شخصيته (عليه السلام)، فعن عقبة بن سمعان أنه قال: لما كان السحر من الليل الذي بات الحسين (عليه السلام) فيها بقصر (بني مقاتل)، أمر بالاستسقاء ثم ارتحلنا، فيما هو يسير خفق الإمام الحسين (عليه السلام) برأسه خفقة وانتبه وهو يسترجع ويقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين"، فأقبل إليه ابنه علي الأكبر (عليه السلام) وكان على فرس، وقال له: "جعلت فداك لما استرجعت وحمدت الله؟ فقال الحسين (عليه السلام): خفقت برأسي خفقة فعرض لي فارس يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال علي الأكبر (عليه السلام): يا أبت، ألسنا على الحق؟ فقال الإمام الحسين (عليه السلام): بلى والذي إليه مرجع العباد، فقال (عليه السلام): إذا لا نبالي أن نموت محقين، فقال الحسين (عليه السلام): جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده"(5)، فكان أول شهيد من الهاشميين بين يدي سيد الشهداء (عليه السلام)(6). إن سيرة علي الأكبر (عليه السلام) ليست مجرد ذكرى في كربلاء، بل هي مدرسة في العقيدة واليقين، تجسد معنى الطاعة المطلقة للإمام الحسين (عليه السلام) والرضا بقضاء الله تعالى. ..................... (1) الكافي: ج4، ص575-577. (2) أعلام الهداية، ج3، ص53. (3) اللهوف: ص63. (4) الكافي: ج4، ص572- 574. (5) لواعج الأشجان: ص98.