شوق المناجاة

زينب مرتضى كاظم/ البصرة
عدد المشاهدات : 7

على حين غرة من الكدر أهمس لنفسي: فلنتسلق السلالم ونرتقي صرح المغامرة في آخر الليل. نخطو أنا وثوبي الأبيض المشجر خطوة إثر خطوة، نقطع المسافة على عجل ووجل من أن يرانا أحد، أنا الآن على موعد مع نفسي الحالمة الفتية، سأعقد معها جلسة الصلح والمودة، بعيدا عن أسى أيامنا المنصرمة، فلنتنزه فوق سطح المنزل ولو لربع ساعة من الخيال، نقلع فيها عن مأساة الواقع. يا اللٰه، يا له من نسيم بارد رهيف، ومن حسن الاتفاق أن السماء الليلة في صحو آسر سوى بضعة غيمات رقيقة متناثرة على أثر حلول الخريف. تلمع داخلي نجمة حرة وحيدة، سقطت متوهجة في بؤبؤ ناظري، ففر لها دمعي من غير تخطيط وجداني مسبق. تغشاني هالة عجيبة تبدو من شدة الغرابة فريدة نادرة، كأن السماء تصطفيني.. أخذ الفجر يدلع لسان تبلجه، ألمح بعض الكواكب وقليلا من الزرقة. هذا الإحساس المونق الذي عشته يبدو كومضة ندية بهية انطلقت عبر نافذة من تخوم العرش إلى قلبي، كأني لم أكن أشعر بوجودي بعد إلا عبر هذه النظرة، أو أني ولدت في هذه اللحظة من العالم، وصرت أملأ بوجودي اللطيف جميع الأشياء التي أبصرها. انصرفت بكلي إلى اللحظة الراهنة، فما كنت لأذكر شيئا، ولا كانت لدي أدنى فكرة عن شخصي، ولا عما حل بي، ولم أدرك من أنا، ولا أين أقيم، ما عدت أحس بوجع ولا ألمس خوفا أو قلقا. أصبحت أرى دمعي يسيل كجدول يسيل ماؤه، من دون أن أتصور بتاتا أن هذا الدمع هو حسراتي المعتقة التي هوت عند أول منعطف في وجه السماء، هدوء مدهش يستقر في جسدي كلما ناجيت ربي بقلبي ودمعي، لا أجد لهذا الهدوء مثيلا في جميع أنشطتي المعهودة.