رياض الزهراء العدد 227 بريد القراء
الاهتمام بما لا يثمر: جوهر فلسفة التأخر
فضل الله تعالى الإنسان على غيره من المخلوقات بالإرادة، فبها يستطيع الاختيار والتقدم والنجاح في الدنيا والآخرة، وفي واقع الأمر فإن ميزة الناجحين هي قوة الإرادة والعزيمة، والسعي في تطوير مهاراتهم، وعدم انشغالهم بسفاسف الأمور، ولم يصل الناجحون إلى ما وصلوا إليه إلا بإرادتهم الحديدية التي تحدت الصعاب والعقبات. هناك كثيرون يرغبون في النجاح، لكنهم يفتقرون إلى القرار القاطع، فلا يكفي التمني، والتخيل، والرغبة، بل لابد من الوصول إلى درجة أن تتحول الإرادة إلى قرار حاسم لا رجوع فيه، فالحياة مليئة بالمغريات، وإذا لم يتمكن الإنسان من دفع تلك المغريات، فقد يقع في فخ التراجع ولا يحقق أي تقدم في أي مجال من المجالات التي كان من المفترض أن يتقدم فيها، وينجز مهامه في مدة معينة، فالحياة عبارة عن مجموعة من الفرص، والوقت لا ينتظر المتخاذلين. من ملامح التأخر الحضاري والانحطاط الفكري هو أن يهدر الإنسان وقته فيما لا ينتج نفعا ولا يضيف إليه قيمة، فالاشتغال بصغائر الأمور ليس مجرد عادة سيئة، بل هو فلسفة تأخر تعيد تشكيل العقل والروح والمجتمع بأسره، حتى يصبح المرء أسير ما لا طائل منه. إن وقت الإنسان محدود، لا يتسع لأمرين متناقضين: الانغماس في الأمور غير المفيدة، والسير في طريق التكامل والرقي، فإن من يوزع جهده بين ما ينفع وما لا ينفع، فسيفقد البوصلة ويغدو عمره حصيلة من اللحظات المهدورة. إن النظرة العابرة قد تكون عبرة، والصمت قد يكون فكرة، أما الضجيج والانشغال بالتفاصيل الصغيرة فهو غياب للفكر وضياع للاتجاه، فالحياة في جوهرها تشبه المزرعة، فمن يزرع خيرا أو شرا، فسيحصد ثمره عاجلا أم آجلا، فبعض الأفعال والأفكار تشبه النباتات سريعة النمو التي تثمر في غضون بضعة أشهر، بينما بعضها لا يؤتي أكله إلا بعد أعوام طويلة، وهكذا تتجسد أعمال الإنسان في صور محسوسة يراها في دنياه، أو يلقاها في آخرته، مثلما قال تعالى: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون( (التحريم:7)، فكل لحظة يقضيها الإنسان في فعل أو فكر أو إحساس، تسجل في مسار عمره، وتتحول إلى ثمرة طيبة أو عبء ثقيل؛ لذلك أول ما يحتاجه الساعي إلى النضج هو أن يعيد تنظيم وقته، فيضع جدولا يقتلع فيه السفاسف من جذورها، ويستبدلها بأعمال ذات جدوى تقوده إلى مقاصده الكبرى، وكلما استطاع أن يرتقي من الجيد إلى الأفضل، كان أقرب إلى روح الكمال التي دعا الله سبحانه إليها في قوله تعالى: ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها( (الأعراف:145)، وقوله تعالى: )اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم( (الزمر:55). إن طامة التأخر تبدأ من اللحظة التي نعير فيها للرديء أهمية، وللجوهري تأجيلا، ومن ثم لا طريق للتقدم إلا بالتحرر من أسر التفاصيل الصغيرة، والعودة إلى المعاني الكبيرة التي تنبت الثمر في الدنيا قبل الآخرة.