ميلاد الأمل: تربية القلوب على انتظار النور

زينب شاكر السماك/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 130

في شهر شعبان حيث تتعانق السماء والأرض، وتتناثر نسمات الرحمة، يولد فينا من جديد معنى الأمل، وتزهر في القلوب حكاية النور المنتظر، ولادة الإمام الحجة (عجل الله فرجه) الذي يحمل رسالة الإصلاح الإلهي في وجه ظلمات العالم. في كنف أنوار ليالي شعبان المباركة حين عم السكون والطمأنينة، جلست الأم مع أطفالها في غرفة يملؤها نور الشموع وزينة بسيطة من الورق الملون، كانت رائحة الطيب تفوح من المباخر، وصوت الأناشيد المهدوية يملأ المكان دفئا وطمأنينة، نظرت الأم إلى وجوه أولادها وقالت بابتسامة عذبة: ـ هل تعلمون يا أحبتي لماذا أضاءت السماء اليوم بالفرح؟ أجاب الصغير (علي) بحماس: لأن اليوم عيد؟ ضحكت الأم بلطف وقالت: نعم يا صغيري، إنه عيد من نوع آخر، اليوم نحتفل بميلاد إمامنا المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، الإمام الذي وعد الله تعالى أن يعم العدل كل الأرض على يديه. جلست الصغيرة (فاطمة) بالقرب من أمها، تحدق في الزينة المعلقة، وسألت بخجل: لكن يا أمي، كيف نفرح بشخص لا نراه؟ ربتت الأم على كتف ابنتها برفق، كأن لمستها كانت حديثا أعمق من الكلام، ثم قالت بصوت مفعم بالحنان والطمأنينة: يا بنتي، هناك أمور كثيرة في حياتنا لا نراها بأعيننا، لكننا نؤمن بوجودها لأننا نحس بها في قلوبنا، انظري إلى الهواء الذي يملأ المكان، فلا تراه عيناك، لكنك تشعرين به يلامس وجهك، وتشعرين أنك تتنفسين به الحياة، كذلك هو الإمام الحجة (عجل الله فرجه) لا نراه بأعيننا، لكنه حاضرٌ معنا بعطفه، وبدعائه لنا، إنه الأمل الذي يربط السماء بالأرض، والنور الذي يبقي القلوب حية على الرغم من ظلمة الدنيا. توقفت الأم للحظة، ثم تابعت بصوت هادئ كنسيم يهمس بين الأشجار: ننتظره بالحب، نفرح بولادته لأننا نؤمن أن الله تعالى أكرمنا بإمام يحمل رسالة العدل والرحمة، فحين نحتفل بولادته يا صغيرتي، نحن لا نحتفل بميلاد الإمام فقط، بل بميلاد وعد إلهي بأن الخير لن يغيب عن هذه الأرض، وأن الظلم مهما اشتد، فسيزول بنور العدل القادم. ثم قامت الأم ووزعت على أطفالها أوراقا ملونة، وقالت: اليوم سنكتب للإمام المهدي (عجل الله فرجه) رسائل صغيرة، نخبره فيها ماذا نتمنى للعالم عندما يظهر، فهل تتمنون أن يعيش الجميع بسعادة؟ أن لا يبكي طفل في العالم، ولا ينام جائعا؟ هذا ما يجيء من أجله إمامنا. بدأ الأطفال يكتبون ما في قلوبهم ببراءة، وامتلأت الأوراق بأمنيات صغيرة: ـ أتمنى أن يحب الناس بعضهم. ـ أتمنى ألا تكون هناك حروب. ـ أتمنى أن أرى الإمام المهدي (عجل الله فرجه) يوما. كانت الأم تبتسم، تشعر أن الدرس الحقيقي ليس في الزينة أو الهدايا، بل في هذه القلوب النقية التي تتعلم كيف تحب إمامها بالعمل والأمل. قالت لهم وهي تجمع الأوراق وتنظر إليهم بعينين تلمعان بالحب: يا أولادي، الفرح بولادة الإمام لا يكون فقط بالأناشيد الجميلة ولا بإيقاد الشموع والزينة، فهذه مظاهر جميلة تعبر عن محبتنا، لكنها ليست كل شيء، فالفرح الحقيقي يكون حين نترجم حبنا له إلى عمل وسلوك، أن نكون نحن من يمهد له بالخير؛ لأن الإمام (عجل الله تعالى فرجه) لن يظهر إلا في عالم امتلأت قلوب أهله بالمحبة والصدق والعدل. ثم أطفأت الشموع برفق، ونظرت إلى وجوه أطفالها المشرقة بالفضول والبهجة، وقالت بابتسامة دافئة: في كل عام تزامنا مع هذا اليوم المبارك نجعل بيوتنا مكانا يضيء بالحب والبهجة، فالإمام الحجة (عجل الله فرجه) ينتظر قلوبا صافية تشبه النور، وسلوكا قويم يمثل شيعته. ابتسم الأطفال وهم يرفعون أصابعهم الصغيرة ليلمسوا الزينة والشموع، كأن الفرح ينتقل من القلوب إلى المكان كله، وعرفت الأم أن درسها قد بلغهم؛ ألا وهو أن فرحة الولادة هي فرحة بالخير، وأن المعرفة بالمناسبة تبدأ بحب ووعي وسلوك جميل. نام الأطفال تلك الليلة وقلوبهم مليئة بالأمل، بينما ظلت الأم تهمس بدعاء صامت: اللهم اجعل أولادي من المنتظرين بصدق، ومن الفرحين بولادة أمل العالم.