رياض الزهراء العدد 227 الملف التعليمي
حين تربي المكتبة طفلا: أثر البيئة البصرية في غرس عادة القراءة
في حوار خاص مع المعلمات بشأن القراءة الحرة وأهميتها، قالت إحداهن: إن القراءة موهبة ليس كل الأطفال متساوين فيها، وقالت أخرى: من ينشأ في بيت فيه مكتبة، فسيحب القراءة حتما. أما أنا فكان رأيي مختلفا على أثر تجربتي الشخصية، ولعل سببه أستاذي في الجامعة حين سألنا عن البيوت التي تحتوي مكتبات، وأخبرنا عن التأثير البصري لوجودها، إذ تنطبع في ذهن الطفل وتثير فضوله، ومن ثم يتعود على القراءة شيئا فشيئا. إن وجود المكتبة في المنزل له تأثير كبير في تشجيع الطالب على القراءة، مثلما أن واجب المعلم تفعيل دور المكتبة في حياة التلميذ، والأمر في غاية السهولة، فتخصيص وقت للقراءة الحرة يعد ترفيها للمعلم والتلميذ معا، ويوطد من الروابط بينهما، ويقوي الأسس التي يحتاجها التلميذ من أجل تحسين قراءته وتسريعها، مثلما يحتاج المعلم إلى المكتبة في تطوير لغة التلاميذ وأفكارهم، وغرس الكثير من الأسس اللغوية والأخلاقية في نفوسهم. إن تخصيص وقت للجلوس في المكتبة المدرسية، وتخصيص صف خاص بها، والاستعانة بالتلاميذ أنفسهم في اقتراح عنواين الكتب أو جلب بعضها، يحفزهم على البحث والاطلاع، ويمكن سؤال الأهل عن الكتب التي يرغبون في أن يقرأها أبناؤهم، وقد يبدو الأمر صعبا أو غريبا وسط ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه في الحقيقة محطة استراحة للمعلم والتلميذ، فلا يستغرق المعلم سوى بضع دقائق في شرح آداب القراءة، حتى يجد التلاميذ كلا منهم قد اختار كتابا وجلس يقرأ فيه، وفي حال وجود مناقشة شهرية عن موضوعات الكتب، فسيكون الأمر أكثر متعة. وقد جربت ذلك فعلا، إذ خرجنا من عالم المناهج الدراسية، واخترت لتلاميذي في الصف الخامس الابتدائي يوما كتاب نهج البلاغة، وقرأنا إحدى الخطب قراءة جماعية، وتناقشنا في مضمونها، ثم أعربنا ما يخصنا من مواضيع إعرابية، فرأيت تقبلا ونباهة من قبل التلاميذ، فاعتمدنا الأمر وأصبح تطبيقا أسبوعيا نجد فيه المتعة والتعلم والفائدة. وقد أجبرني الأمر وإياهم على العودة إلى الشروح ومعاجم اللغة لفهم ما جاء في بعض الخطب والأحاديث، ولاحظت صداه لديهم نهاية العام الدراسي، ولو أكمل غيري المسير على هذا النهج لوجدنا تلميذا محصنا عقائديا، يجمع بين القراءة الحرة والمنهج الدراسي، ويعرف كيف يختار روافد حياته ويسير عليها. إن القراءة الحرة وتعليمها يحتاج إلى قرار داخلي من المعلم بأن يترك بصمته في نفوس تلاميذه، ويعطي الدرس حقه؛ فالمعلم هو اللبنة الأولى لشباب هذا المجتمع، وتأثيره قد يكون أقوى من تأثير الأب والأم نفسهما إن أحسن أداء دوره، فمن يبذر فكرة في ذهن تلاميذه، فله أجرها إلى يوم القيامة، وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن وقال لي: يا علي، لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وأيم الله، لئن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي"(1). ..................