كيف يصنع مشروع الورود الفاطمية جيلًا واعيًا ملتزمًا بالقيم الدينية والمجتمعية؟

خاصّ مجلّة رياض الزهراء(عليها السلام)
عدد المشاهدات : 168

أطلقت العتبة العبّاسية المقدّسة بإشراف شعبة الخطابة الحسينية النسوية التابعة لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية (مشروع الورود الفاطمية) التبليغي ليزرع في قلب الفتاة المسلمة وعيها بالتكليف الشرعي منذ لحظة بلوغها، وليشكّل لها من الوعي الديني مرشدًا ومن القيم طريقًا منيرًا في حياتها. ويُنفَّذ المشروع بتعاون مباشر مع مديرية تربية محافظة كربلاء المقدّسة، مستهدفًا المدارس الابتدائية في مختلف مناطق المحافظة؛ لضمان وصول البرنامج إلى الفتيات في بيئتهنَّ التعليمية الطبيعية، ويتيح هذا التعاون تنسيقًا دقيقًا بين الجوانب التربوية والشراكة المجتمعية، ممّا يعزّز من فعّالية البرنامج في غرس القيم الدينية والسلوكية منذ سنّ مبكّرة، ويضمن متابعة مستمرّة للمكلّفات في ضمن بيئتهنَّ التعليمية والأسرية، بما يدعم استدامة أثر المشروع في بناء شخصية الفتاة المكلّفة. ويأتي المشروع بوصفه رسالة تربوية متكاملة، تنسج بين فقه الدين وأخلاق الحياة؛ لتغرس في نفوس المكلّفات قيم الحياء والعفّة والنبل، وتزرع في قلوبهنَّ الشعور بالمسؤولية تجاه النفس والمجتمع، فهو منهج حياة يُحاكي روح الإنسان وعقله، ويُؤصّل له هويته الدينية والاجتماعية على نهج السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وبناتها، من زينب الكبرى (عليها السلام) إلى كلّ قدوة حسنة. ويجسّد المشروع رؤية تربوية سامية، إذ يمتزج البُعد التبليغي التثقيفي بالبُعد التكريمي والتوجيهي، فتُكافأ المكلّفة على التزامها وتُشجّع على الصبر والمثابرة، مع تعزيز شعورها بالانتماء إلى هويتها وقيم مجتمعها. إنّ (الورود الفاطمية) تجربة إنسانية وروحية وفكرية تغرس في الفتاة بذور الفضيلة والإيمان، وتضيء لها الطريق نحو الوعي الكامل بالرسالة التي حملتها على عاتقها منذ أنْ أصبحت مكلّفة شرعيًا. رحلة تراكُمية من التأثير انطلق المشروع في العام (2017م) بنسخته الأولى، مستهدفًا مواليد العام (2009م)، وضمّ (350) طالبة، موزّعات على (3) مدارس؛ ليكون حجر الأساس لتجربة تربوية رائدة، واستمرّ المشروع في التوسّع على مدى السنوات التالية، إذ شملت النسخة الثانية عام (2018م) نحو (690) طالبة موزّعات على (10) مدارس من مواليد (2010م)، بينما شهدت النسخة الثالثة عام (2019م) نقلة نوعية شملت (2250) طالبة موزّعات على (50) مدرسة من مواليد (2011م)، ممّا يعكس التزايد التدريجي في التأثير وعدد المستفيدات، وتوقّف المشروع في عام (2020م) نتيجة جائحة كورونا، ليستأنف نشاطه في عام (2022م) بنسخته الرابعة، مستهدفًا (3695) طالبة موزّعات على (76) مدرسة من مواليد (2013م)، مع عودة الزخم التدريجي في التأثير المجتمعي. وشهد عام (2023م) تنفيذ النسخة الخامسة في ضمن (3) دفعات، شملت (3598) طالبة من مواليد (2014م) موزّعات على (58) مدرسة، ممّا رفع العدد التراكمي للمستفيدات في غضون (5) سنوات إلى (10,583) طالبة، في مؤشّر واضح على نجاح المشروع في ترسيخ ثقافة التكليف الشرعي وتحقيق أهدافه التربوية على نطاق واسع. وفي عام (2024م)، جاءت النسخة السادسة لتستهدف مواليد (2015م) بمشاركة (86) مدرسة و(4327) طالبة من مختلف قطاعات كربلاء وناحية عين التمر، ممّا يعكس استمرار المشروع في تلبية الاحتياجات التربوية وتوسيع رقعة التأثير، واستمرّ المشروع في عام (2025م) في ضمن النسخة السابعة، مستهدفًا مواليد (2016م) بمشاركة (128) مدرسة و(5309) طالبات، مؤكّدًا حضوره المستمرّ في المنظومة التربوية والاجتماعية للمدينة. تجربة تربوية ذات بعد رمزي استثنائي ستشهد النسخة الثامنة من مشروع "الورود الفاطمية" إطلاق برامج تربوية متكاملة تستهدف الفتيات المكلّفات لتعميق فهمهنَّ لأحكام التكليف الشرعي، وتعزيز قيم الحياء والعفّة والشعور بالمسؤولية تجاه النفس والمجتمع، وتحويل المعرفة إلى ممارسة حياتية وعملية، عن طريق أدوات تعليمية مبتكرة، من قبيل كرّاس "أنا مكلّفة"، الذي يجمع بين الأذكار اليومية، والواجبات العملية، ومساحة لتوثيق صورة المكلّفة، مع إشراك أولياء الأمور لمتابعة الالتزام، لضمان أنْ يشمل أثر المشروع حياة الفتاة اليومية ويصبح جزءًا من شخصيتها وهويتها. تكتسب هذه النسخة خصوصية رمزية استثنائية، إذ تستهدف المكلّفات من مواليد عام (2017م)، العام الذي حمل دلالات وطنية ودينية مهمّة، إذ يربط البرنامج بين القيم الفردية للفتاة ومسؤوليتها المجتمعية، مع استحضار تضحيات الشباب في الدفاع عن حرائر الوطن والالتزام بالوصايا الإيمانية، وبذلك يجمع المشروع بين البُعد التربوي الذي يرفع من وعي الفتاة الذاتي والديني، والبُعد الرمزي الذي يكرّم المكلّفة ويؤكّد دورها في الحفاظ على القيم والمبادئ العليا للمجتمع. أدوات المشروع وتأثيره المجتمعي لم يقتصر المشروع على الفعّاليات الاحتفالية، بل جاء مزوّدًا بأدوات تربوية ودينية متكاملة، تضمّنت كراريس المتابعة المنزلية، والمطبوعات التعليمية، والموادّ الصوتية والفنّية، وقد أسهمت هذه الأدوات في تحويل الحفل السنوي إلى تجربة تربوية شاملة تعكس دمج التعليم بالقيم والجانب العملي للحياة اليومية للفتاة المكلّفة. مشروع مستدام وبُعد مستقبلي يمكن النظر إلى مشروع (الورود الفاطمية) على أنّه تجربة أنموذجية في تشكيل الوعي الديني القيمي لدى الفتاة المسلمة، إذ يربط بين المعرفة الشرعية والسلوك العملي، ويضعها على طريق مسؤولية وواجب مستمرّ تجاه نفسها ومجتمعها، ويؤكّد المشروع في كلّ نسخة على استدامته، وقدرته على التكيّف مع الظروف المختلفة، وفاعليته في توسيع رقعة التأثير عن طريق دمج أدوات تعليمية وفنّية وقيمية، ليكون أنموذجًا يُحتذى به في المشاريع التربوية المستقبلية، ويعكس رؤية العتبة العبّاسية المقدّسة في بناء جيل واعٍ على مفاهيم الدين والحياة، قادر على الموازنة بين الالتزام الشرعي والمسؤولية المجتمعية.