الكتاب المسطور

رجاء علي البوهاني/كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 113

يُشكّل القرآن الكريم حجر الأساس في الدين الإسلامي، فهو المعجز الخالد الذي أنزله الله سبحانه على رسوله وهو دليل نبوته ومصدر شريعته المقدّسة وهو الحبل الممدود بين السماء والأرض لهداية الناس والوصول بهم إلى نور الهداية والسعادة . ومن بين أهمّ المسائل المهمّة التي تُطرح في الدراسات القرآنية هي مسألة جمع القرآن، وتنبع أهمّيتها من كونها عنصرًا يتمّ توظيفه عادة للتشكيك في القرآن الكريم من جهة وقوع التحريف فيه، فإنّ عدم جمعه في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مع عظيم أهمّيته وتركه لمَن بعده سوف يضيع قسمًا منه، ويكون ثمّة تحريف لا أقلّ من جهة النقصان. وتوجد رؤيتان في تاريخ جمع القرآن: الأولى تبنّتها مدرسة السنّة والجماعة وهي المشهورة على ألسنهم بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) رحل ولم يجمع القرآن، وهذه الرؤية تبتني على مجموعة مقدّمات قد توصل إلى التشكيك بحجّية القرآن الكريم وإلى المساس بقدسية النبيّ (صلّى الله عليه وآله). والرؤية الثانية تبنّتها مدرسة الإمامية والتي تصحّح كلّ الإشكالات التي أثارتها الرؤية الأولى . وقد ابتنت الرؤية الأولى على مجموعة من الآراء التي أوصلت إلى هذه النتيجة، منها: أولًا: زعمهم أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان أميًّا لا يعرف القراءة ولا الكتابة وأنّه لم يجمع القرآن جهلًا منه بالكتابة-حاشاه من ذلك- والصحيح أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يعرف القراءة والكتابة، غايته أنّه الإنسان المعلَّم من قِبل الله تعالى، أي لم يتعلّم على يد أحد، وقد أكّد الله تعالى ذلك بقوله: وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَا مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَـٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَـٰنُ (الشورى:...) وغيرها من الآيات ممّا تدلّ على أنّ الله (عزّ وجلّ) علّم رسوله كلّ العلم. ثانيًا: تفسيرهم للفظ (الجمع) في رواية أنس بن مالك وأمثاله حيث قال: "مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة"(1)، فقد فسّرت هذه المدرسة بأنّ هؤلاء جمعوا القرآن في صدورهم لا في السطور، وهذا التفسير يخالف المألوف عند اللغويين؛ لأنّ (الجمع) لغةً يشمل الكتاب والحفظ معًا، وأنّ ترجيح أحد المعنيين على الآخر ترجيح بلا مرجّح، بخاصّة مع معرفتنا بوجود كتّاب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيام حياته(2). وقد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يؤكّد أنّه من كُتّاب الوحي، وعنده نسخة من المصحف الشريف على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فقد قال (عليه السلام): "فما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلّا أقرأنيها وأملاها عليّ، فكتبتُها بخطّي وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها وعامّها"(3)، وكذلك يُستدلّ على أنّ القرآن الكريم قد جُمع في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الرواية الصحيحة المروية عنه (صلّى الله عليه وآله) عند كلا الفريقين: "لاصلاة إلّا بفاتحة الكتاب"(4). وقد أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) أنْ يجمع القرآن، فقد رُوي عنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "يا عليّ لأنّ القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه وأجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة"(5)، فقوله (صلوات الله عليه) (خذوه واجمعوه) هو أمر منه بجمع القرآن الكريم، فلقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يدرك حجم الخطر الذي يحيط بالرسالة في حال تركه أمرًا مهمًّا كهذا، إذ أوصى الأمة بالتمسّك بالثقلين: القرآن والعترة الطاهرة (عليهم السلام) في (حديث الثقلين) المتواتر في طريق العودة من حجّته الأخيرة (حجّة الوداع)، ومن الواضح أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يقصد من لفظة (الكتاب) القرآن المحفوظ في الصدور، بل هو القرآن المسطور المجموع بين الدفّتين. ...................................... (1) بحارالأنوار: ج89، ص79 (2) جمع القرآن: للسيد علي الشهرستاني ص... (3) المصدر السابق: ج89، ص99 . (4) شرح فروع الکافي: ج 3، ص24 (5) بحار الأنوار: ج89، ص48.