رياض الزهراء العدد 228 أنوار قرآنية
نزول القرآن الكريم في شهر رمضان: الفضائل والدلالات
القرآن الكريم هو الكتاب المعجز في أسلوبه وبيانه الذي تحدى العرب في لغتهم، فصار مبعثا على الدهشة والفرادة والإعجاز في كل زمان ومكان، وفتح باب التحدي أمام العرب، فعجزوا عن الإتيان بمثله بغض النظر عن مضامينه التي أحدثت الثورة في مجتمع جاهلي عرف ببعده عن القيم الأخلاقية، فكان القرآن الكريم أعظم حدث في تاريخ البشرية، إذ أرسى قواعد الهداية الربانية للبشر كافة، وقد اختار الله (عز وجل) لعظمة شأنه زمانا خاصا مباركا، يرتبط فيه الوعي بالروحانية العالية والهداية، وقد قال تعالى: )شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان( (البقرة:185). والقرآن في اللغة من (قرأ) و(القرآن) التنزيل العزيز، ويسمى كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه (صلى الله عليه وآله) (كتابا، وقرآنا، وفرقانا)، ومعنى القرآن الجمع، وسمي (قرآنا)؛ لأنه يجمع السور فيضمها، وقد قال تعالى: )إن علينا جمعه وقرآنه( (القيامة:17)، أي جمعه وقراءته، وروى ابن عباس في تفسيرها: "فإذا بيناه لك بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك"(1)، وقد اختار الله (عز وجل) شهر رمضان المبارك ليكون زمان نزول القرآن الكريم؛ لما لهذا الشهر من ميزة وفضل، إذ جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبته لاستقبال شهر رمضان: "ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور"(2)، وعن علي بن أبي حمزة، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير: "جعلت فداك، أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة؟ فقال: لا، قال: ففي ليلتين؟ قال: لا، قال: ففي ثلاث؟ قال: ها، وأشار بيده، ثم قال: يا أبا محمد، إن لرمضان حقا وحرمة لا يشبهه شيء من الشهور، وكان أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل، إن القرآن لا يقرأ هذرمة -السرعة في القراءة- ولكن يرتل ترتيلا، فإذا مررت بآية فيها ذكر الجنة، فقف عندها وسل الله (عز وجل) الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار، فقف عندها وتعوذ بالله من النار"(3). وقد أشار القرآن الكريم بوضوح إلى حقيقة إنزاله في الشهر المبارك في أكثر من موضع، فشهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي خص بالذكر في القرآن الكريم، والكلام في الآيات عن ذكر وقت الصوم وفضيلة الشهر وهو نزول القرآن فيه ليلة القدر دفعة واحدة(4)، وقد قال تعالى: )إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهرٍ( (القدر:1-3)، وغرض السورة مثلما قيل: (تعظيم القرآن الكريم النازل في ليلة القدر، فتعظم هذه الليلة المباركة، وتصفها بأنها خير من ألف شهر، وتنزل الملائكة والروح فيها، وتختم بأنها سلام حتى مطلع الفجر، وقيل من علاماتها ما رواه الإمام الحسن (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "إنها ليلة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع"(5)، وقال تعالى: )إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركةٍ( (الدخان: 3)، فالآيات الكريمة توضح فضل نزول القرآن الكريم في شهر رمضان الذي جعله الله شهر التنزيل، فمنح كلا من القرآن الكريم وشهر رمضان خصوصية روحية دالة على العظمة؛ لذلك ربطت الآيات الكريمة بين نزول القرآن وبين فريضة الصيام، مما يشير إلى العلاقة الوثيقة بين تهذيب النفس بالصوم واستقبال أنوار القرآن، فالصيام يهيئ النفس للخشوع والتلقي، ويجعل القلب أكثر صفاء لفهم آيات الله تعالى؛ لذلك جعل سبحانه أجور الأعمال فيه مضاعفة. هناك دلالات واضحة تتعلق بنزول القرآن الكريم في شهر رمضان، منها: 1_ الهداية والتربية: إن نزول القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك هو إشارة إلى أن الهداية تبدأ من تزكية النفس، فالصوم تهذيب للجسد والروح، والقرآن نور للعقل والقلب، وهما معا يشكلان منهجا تربويا متكاملا يربي الإنسان على التقوى، وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة:183). 2- مركزية الوحي: اختيار الله (عز وجل) ليلة القدر لتكون ظرفا لنزول القرآن الكريم يظهر أن الوحي هو أساس التمييز بين الحق والباطل، وأنه المصدر الأعلى للمعرفة والهداية، ولهذا وصف القرآن بأنه (الفرقان): ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا﴾ (الفرقان:1). مما تقدم نرى أن نزول القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك ليس حدثا تاريخيا، بل هو منظومة دلالية روحية دالة على عظمة الله تعالى وحكمته في اختيار الأزمنة الشريفة للأحداث العظيمة، فقد شكل اقتران القرآن الكريم بشهر رمضان مصدرا لإحياء الأمة في كل عام، إذ يتجه المسلمون في هذا الشهر للتدبر في اكتشاف هذا الرابط عن طريق تلاوة كتاب الله تعالى في هذا الشهر؛ لما له من الأجر والفضل والأثر في بناء الإنسان روحا وعقلا وسلوكا.