بين البحث العلمي والتكريم القرآني: مهرجان (السقاء) يجسد قيم الوفاء والتضحية
من رحاب القمر الهاشمي الذي تشرّب معاني القرآن فجسّدها أخوّةً وتضحيةً وإيثارًا عجز عنها الزمان، أطلق معهد القرآن الكريم النسوي التابع لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة مهرجان (السقّاء) النسنوي تحت شعار: (حامل اللواء سبيل عزٍّ ووفاء)، ويُعدّ المهرجان محطّة تربوية وثقافية تعزّز الارتباط بالقرآن الكريم، وتعمّق الوعي بسيرة أهل البيت (عليهم السلام). تنوّعت فقراته بين تلاوة عطرة لآيات الذكر الحكيم، والعروض المرئية، والجلسات البحثية، وصولًا إلى تكريم حافظات القرآن الكريم والباحثات الفائزات، في مشهدٍ يرسم تكامل الرسالة القرآنية مع الوعي الثقافي والبحث النسوي. وأكّدت السيّدة منار الجبوري مديرة المعهد: "إنّ إقامة المهرجان يمثّل محطّة سنوية مضيئة لإحياء سيرة المولى أبي الفضل العبّاس (عليه السلام)، واستحضار قيم الوفاء والتضحية والإيمان الراسخ التي جسّدها في واقعة الطفّ". وأشارت الجبوري إلى أنّ شخصية أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) تمثّل أنموذجًا في نافذية البصيرة وصلابة الإيمان، مستشهدةً بقول الإمام الصادق (عليه السلام): "كان عمّنا العبّاس بن عليّ نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين وأبلى بلاءً حسنًا، ومضى شهيدًا"(1)، مؤكدةً أنّ استذكار هذه القيم يعزّز من الوعي العقائدي والروحي لدى المشاركات. مثلما ثمّنت دعم سماحة المتولّي الشرعي للعتبة العبّاسية المقدّسة وإدارة المكتب النسويّ، مشيدةً بجهود الملاكات التعليمية والخدمية في المعهد لإسهامها في إنجاح فعّاليات المهرجان الذي يأتي في ضمن سلسلة من الأنشطة القرآنية الهادفة إلى ترسيخ الثقافة القرآنية وتعميق الارتباط بسيرة أهل البيت (عليهم السلام). وشهد المهرجان عرض فيلم تعريفي عن مجلة (نفحات) الفصلية القرآنيّة، أنتجته ملاكات إذاعة الكفيل، للتعريف بالمجلة التي تصدر عن قسم الإعلام في المعهد، مسلّطًا الضوء على هويتها ورسالتها الرامية إلى ترسيخ الثقافة القرآنيّة في الوسط النسوي. ومن أهمّ محطّات المهرجان انعقاد الجلسة البحثية التي نوقشت فيها البحوثُ الثلاثة الفائزة في ضمن المسابقة البحثية للمهرجان الهادفة إلى تجسيد معاني الإيمان والعطاء التي مثّلها المولى أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) في مسيرته، إذ تشجّع المسابقة الباحثات على تناول سيرته (عليه السلام) من جوانبها المختلفة: الدينية، والفكرية، والأخلاقية، والتربوية، والأدبية، بأسلوب بحثي رصين يظهر دوره في نصرة الحقّ، وتجسيد قيم التضحية والإيثار، واستلهام الدروس من سيرته الشريفة في واقعنا المعاصر؛ لتنمية روح البحث والتحليل لدى المشاركات. وجاء البحث الفائز بالمركز الأول بعنوان (الأسرة الهاشمية كنموذج تربوي: دراسة في أساليب التنشئة الأخلاقية وتأثيرها في شخصية أبي الفضل العبّاس عليه السلام) للباحثة م. د ابتسام صبري يونس عبد، وهدف البحث إلى دراسة الأسرة الهاشمية بوصفها الأنموذج التربوي الأهمّ في التاريخ، وتحليل أثر أساليب التنشئة الأخلاقية في بناء شخصية أبي الفضل العبّاس (عليه السلام). واعتمد البحث المنهج التاريخي التحليلي، والمنهج التربوي الوصفي، فضلًا عن المنهج النفسي التحليلي؛ ليخلص إلى أنّ مواقف أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) في كربلاء كانت تجلّيات عملية لمنظومة تربوية راسخة قامت على القدوة، والحوار، وتنمية الوعي، والتربية الروحية والقيادية. وأمّا البحث الفائز بالمركز الثاني فجاء بعنوان (تجلّيات الإيثار القرآني في واقعة الطفّ: دراسة استقرائية لموقف العبّاس-عليه السلام-في المشرعة) للباحثة ذكرى عبّاس عبد، الذي سعى إلى تأصيل مفهوم الإيثار قرآنيًا وفلسفيًا، وتحليل موقفه (عليه السلام) عند مشرعة الفرات بوصفه تجسيدًا عمليًا. واعتمد البحث منهجًا تكامليًا جمع بين التفسير الموضوعي للآيات، والتحليل النفسي السلوكي، والسرد التاريخي التحليلي؛ ليقدّم قراءة تربوية وفكرية تربط بين النصّ القرآني والسلوك العبّاسي في بُعده الإنساني والروحي. وجاء البحث الفائز بالمركز الثالث بعنوان (السقاية من الجاهلية إلى الإسلام: من سقاية العرب إلى سقاية العبّاس بن عليّ-عليه السلام) للباحثة م. د خديجة حسن عليّ القصير من جامعة الكوفة/ كلية الآداب، إذ استعرض التحوّل التاريخي لوظيفة السقاية في المجتمع العربي، من مكرمة قبلية في الجاهلية إلى ممارسة ذات بُعد ديني ومؤسُسي في الإسلام، مع قراءة تحليلية لدوره (عليه السلام) في واقعة الطفّ بوصفه امتدادًا للقيم العربية الأصيلة في ضمن إطارها الإسلامي. وقدّمت فرقة نبع الجود أوبريت بعنوان (نهر الوفاء) الذي جسّد مواقف أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) في واقعة الطفّ، فضلًا عن تقديم تلاوة جماعية شاركت فيها قارئات من المعهد، واختُتِمت الفعّاليات بتكريم الباحثات الفائزات بالمسابقة البحثيّة، وجميع البحوث المقبولة مُنحت شهادات مشاركة في ضمن جهود المعهد لتعزيز البحث العلمي، وتشجيعًا على مواصلة التفاعل العلمي والثقافي مع تراث المولى أبي الفضل العبّاس (عليه السلام). .................... (1) أعيان الشيعة: ج2، ص430.