قناع الأوكسجين

خلود ابراهيم البياتي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 10

هناك نداء محبب للسامع، تكتنفه مشاعر تتأرجح بين الخوف من المجهول والسعادة لخوض غمار تجربة جديدة، وذلك في الدقائق الأولى عند تحرك عجلات الطائرة وتوجهها للإقلاع، وفي تلك اللحظات تشنف الآذان، وتتوجه النظرات نحو طاقم الطائرة وهم يقدمون للمسافرين إرشادات السلامة عبر الكلمات والحركات التي تشرح الإجراءات الواجب اتخاذها عند حدوث خلل في الضغط الجوي، فتتدلى مباشرة (أقنعة الأوكسجين) من فوق رؤوس ركاب الطائرة، وتنص التوجيهات حينها على ضرورة استخدام المسافر لقناع الأوكسجين لنفسه أولا، ومن ثم وضعه على وجه الآخرين ليستنشقوا الأوكسجين ويحافظوا على حياتهم. تساورني الكثير من الأفكار عند سماع أو تذكر تلك التوجيهات، ومن ضمنها سؤال يدور في ذهني مرارا وتكرارا، وهو كيف يتسنى للشخص أن يضع القناع على وجهه ويأخذ تلك الأنفاس وهو ينظر للعيون الخائفة من حوله، وأنى له أن يستمتع بالحياة في حين أن الآخرين يصارعون الموت في كل لحظة؟ ثم تتلألأ الإجابة عبر كلمات سيد البلغاء علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يقول: "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته"(1)، فتلامس القلب لتملأه بالطمأنينة والهدوء، فحين التبحر بها قليلا، نجد أن كل أمر مفيد للآخر يجب أن يبدأ وينطلق للعلن من ذات الإنسان نفسه، أي من سريرته ونيته الخاصة، المخفية عن الجميع، التي لا يعلم بها سوى الله سبحانه وتعالى، فإن صلاح القلب والنوايا، وما يخطط له الفرد من أهداف شخصية أو اجتماعية، لابد من أن تنعكس تلقائيا على سلوكه وتعابير وجهه مهما حاول أخفاءها أو تغييرها. وعندما ينطلق الإنسان من مبدأ إصلاح القلب والنوايا قبل المظهر الخارجي، ويكون صادقا في سريرته، فسيمده الله سبحانه وتعالى بأمواج من التوفيقات الإلهية، ويرخي عليه سدول الهيبة والجمال في عيون من يحيطون به وفي قلوبهم؛ لذلك كان التأكيد على إصلاح النفس وهو الجهاد الأكبر، فمحاربة الباطن المخفي والرغبات الجامحة من أعتى أنواع الحروب وأشرسها على مر الزمن، والانتصار هنا يجعل الإنسان في أعلى قمة من الطمأنينة، واليقين، والرضا. وعند العودة إلى (قناع الأوكسجين)، فالهواء هو إصلاح السريرة التي تمثل الجذور لكل فعل خارجي، وحماية الروح من كل انحراف يشوهها، حينها يمن الله تعالى على الإنسان بإصلاح العلانية بتوفيقاته اللامتناهية. فلنستنشق أوكسجين صلاح السريرة أولا؛ ليثمر سلوكا صالحا ننقذ به أنفسنا ونأخذ بأيدي من حولنا. .................. (1) شرح أصول الكافي: ج12، ص411.