رياض الزهراء العدد 228 الحشد المقدس
بين الطيور والنجوم
في الفناء الخلفي للمنزل عبر الشرفة المطلة على الحديقة، أتأمل الطيور التي اعتادت أن تزين أيامنا بحضورها الهادئ وصوتها العذب الذي يملأ أرجاء المنزل بهجة وسرورا، لطالما راقبتها وهي تدور حول بيتنا منطلقة من الحديقة الخلفية نحو الجهة الأخرى، وكنت أدور معها بكل ما أوتيت من سرعة، غير أني لم أستطع يوما اللحاق بها. وذات مرة قررت أن أضع خطة مسبقة، فجلست أتساءل: كيف لها أن تكون سريعة إلى هذا الحد؟ هل السر يكمن في أجنحتها أم في خفة وزنها التي تمنحها القدرة على الطيران والدوران حولنا بسرعة مذهلة؟ وفي تلك اللحظة تذكرت موقفا جرى بيني وبين أخي (مرتضى)، ففي ليلة أزهرت بضوء القمر وبرزت النجوم كأقداحٍ مضيئة بشكل ساحر، نظرت إلى السماء بدهشة، وقلت لأخي باستغراب: هل النجوم معلقة في السماء أم أنها تستند إلى شيء لا نراه؟ أجابني (مرتضى) باسما، بوجهه الذي يبدو كالقمر قائلا: إنها تسكن في أماكنها، لا تستند إلى شيء، بل تؤدي عملها الذي خلقت من أجله، فقلت له: هل النجوم تطير؟ فقال ضاحكا: لو كان لها أجنحة لطارت وغادرت بيتنا. ومنذ ذلك اليوم احتفظت بأجنحتي التي صنعتها من الورق، فقد حان الوقت لأبسطها فوق يدي كي أحلق بها وأسابق الطيور، ففي صباح اليوم التالي حاولت الطيران قبل أن تحلق الطيور فوق بيتنا، لكنني لم أستطع، شعرت بخيبة أمل كبيرة وانهمرت دموعي حتى هرعت إلى غرفة (مرتضى)، ضمني إلى صدره ومسح دموعي بيديه، فقلت له بصوت متقطع: أنا... لا أستطيع الطيران. وأخذ يربت على ظهرى بكلماته الدافئة، وملأ يدي بالحلوى وحين هدأت، نهض ليرتدي ملابسه ويذهب إلى عمله المعتاد، فوقعت عيناي على النجوم المرصوفة على كتفيه، لكنني لم أفهم معناها، وحين انحنى ليربط قيطان جزمته، دنوت منه، كانت على كتفيه نجوم تلمع بهدوء، فقلت بدهشة: هل ستطير يا أخي؟ هل ستذهب إلى السماء لتجاور النجوم؟ رد علي وفي عينيه بحر من الكلام قائلا بهدوء: لربما سأكون إلى جوارها قريبا. ذهب (مرتضى)، ومنذ ذلك اليوم لم يعد مع الطيور التي عادت إلى حديقتنا، حتى النجوم التي كانت تطل فوق بيتنا اختفت، كأنها حزنت لفراقه، وحدها النجوم التي زينت بدلته العسكرية بقيت متشبثة بخيوط القماش لأنها رمز خلوده في الذاكرة مع زملائه الشهداء.