سامراء وقبس من نور شهر رمضان

زبيدة طارق الكناني/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 64

ها هي سامراء تتهادى من خلف غيمٍ خفيف، كأنها سطر خرج لتوه من كتاب النور، أو حلم تعلم المشي على ضوء الهلال. مدينة إذا أقبل شهر رمضان عليها أقبلت معه أسرار تتوهج في حجارتها، وحنين يفتح أبوابه في كل زقاق، ففي أروقتها الساكنة كالأدعية العتيقة، تعزف على وتر الصلاة بخشوع القربات، فينساب الدعاء كجدولٍ يطلب بحر الرحمة. وبين مساجدها، تلك القلاع التي تحفظ ذاكرة العابدين، تشعل قنديلا صغيرا في آخر الممر، لعله يدل القلب على طريق مولاه. وفي ليالي الوتر حين تتنفس السماء أنفاسا من ضياء، تستحضر طيف من صلى ففاز، ومن سقطت دماؤه الطاهرة على سجاد المحراب قائلا: "فزت ورب الكعبة"(1). كأن روح الإمام الشهيد ما تزال تعبر أروقة سامراء، تمنح شهر رمضان معنى أعمق من الجوع والعطش، وتعلم القلب أن القربان قد يكون روحا تهوى وجه ربها. شهر رمضان في سامراء زمن خارج الزمن، لحظة تفترشها نسائم القداسة، وصمت يلمع في الجدران كأنه ذكر مستجاب. هنا في هذا الصفاء المعلق بين الماضي والحاضر تتعانق دعوة العابد الليلي مع أنين التاريخ. يرى في أنفاس الإمام علي (عليه السلام) ظلا يرف في فضاء المدينة، يذكرنا بأن الإيمان قد يختمه الله بنقطة دم، وأن السجود قد ينتهي بشهادةٍ تضيء مسيرة العمر، فتشعر أن دمه المبارك ما يزال يسقي تراب سامراء؛ ليجعل لياليها مزيجا من حنينٍ يبهج القلب وحزنٍ يوجع الروح. وفي ساحاتك الواسعة يا سامراء ما أزال أفتش عن سري المدفون، وأجمع خطواتي المبعثرة في ريح مثقلة بالذنوب، لعلي أعود مثلما تعود الأرواح إلى صفائها عند باب الغفران. وحيث الأرض تسلم أشواقها للسماء، نسمع مناجاة تنسجها الأرواح بدموعٍ طاهرة، تمتزج فيها رهبة العبودية بنشوة المحبة الإلهية.. وهنا في ظل شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، تستيقن أن شهر رمضان ليس صيام الجسد فحسب، بل صيام قلب يخلع ما يبعده عن الله تعالى، مثلما فعل أولئك الأبرار الذين ختموا العمر بسجدة صدق وإيثار، فكانت الشهادة تاج عبادتهم الأخير. اللهم بلغنا ليلة القدر في أمنٍ وسلام في سامراء، وفي كل أرض تقصد وجهك الكريم، واجعل لنا في سامراء نورا يشبه أول الخلق، وهمسا يشبه آخر الدعاء، ودمعة تطهر القلب مثلما تطهر السماء وجه الفجر.. .................... (1) موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ: ج ٧، ص٢٤٠.