مخاض في قلب القبلة

زينب كاظم التميميّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 50

في فلسفة الوجود ثمة أرواح لا تمر في الدنيا مرور العابرين، بل تأتي إعلانا إلهيا عن اكتمال المعنى في الحياة. الإمام علي (عليه السلام) ليس مجرد سيرة في كتاب، بل هو الفاروق بين الحق والباطل والصراط الواصل بين عالم الملكوت وعالم الشهادة، والحقيقة التي بدأت في جوف البيت وانتهت في بيت الله سبحانه، كانت حياته (عليه السلام) طوافا أبديا حول الحقيقة الواحدة. لم تكن ولادته (عليه السلام) حدثا بيولوجيا وحسب، بل كانت خرقا لنواميس المادة والطبيعة، فحين انشق جدار الكعبة لفاطمة بنت أسد (عليها السلام)، لم تكن الكعبة مجرد مأوى لامرأة في حالة المخاض، بل كانت إشارة ربانية على أن هذا المولود هو سر البيت ولبابه. لقد ولد علي (عليه السلام) في المركز حيث تتجه جباه العابدين، فكان هو القبلة التي تستقبل الأرواح قبل الأبدان. إن انشقاق الجدار يمثل فلسفيا تصدع المادة أمام هيبة الروح ليدخل النور من حيث لا يجرؤ البشر، فهو (عليه السلام) ابن الكعبة بحق. عاش الإمام علي (عليه السلام) حياته مسافرا في ملكوت الله تعالى، كان قلبه محرابا لا يهدأ، ولسانه يلهج بتراتيل الحب الإلهي التي صاغها في نهج البلاغة، وفي اللحظة التي اختارها القدر لتكون مسك الختام، عاد النور إلى منبعه، مثلما استقبله البيت طفلا، احتضنه المسجد شهيدا، وما بين الضربة والسجدة، تجلت أعظم صرخة عرفها الوجود: "فزت ورب الكعبة"(1). الفوز هنا هو العبور النهائي من ضيق السجن المادي إلى سعة الفضاء الإلهي. إن التأمل في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن لروح أن تحمل كل هذا النور وتظل في جسد طيني؟ لقد كان علي (عليه السلام) الجواب الإلهي على أسئلة الوجود، والنور الذي يستمد ضياءه من العلي القدير ليبقى مشكاة لكل باحثٍ عن الحقيقة. وقد يلتمس القارئ للسيرة المباركة كم عرج الأمير على الحب الإلهي وبأي طريقة كان طرحه للفناء في رحاب المحبوب الأعلى، فقد كان ترجمانا للوحي في فلسفته، حينها بين أن المحبوب الأعلى ليس بعيدا عن العباد، بل هو باطن في كل شيء غير ممازج، وظاهر من كل شيء غير مباين، وهذا ما يستشف من قوله (عليه السلام) قوله: "ما كنت لأعبد ربا لم أره"(2)، هي رؤية القلب لا رؤية البصر، هو جوهر الحب الإلهي أن يصل المحب إلى درجة من اليقين تصبح فيها الغيبيات عيانا. إن الحب الإلهي في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي جعل من الضربة فوزا، ومن الدماء صبغة للخلود. لقد رحل الأمير (عليه السلام) عن الدنيا وهو يبتسم؛ لأنه أدرك أن القبلة التي ولد فيها، والمحراب الذي سجد فيه صارا الآن حقيقة واحدة في حضرة المحبوب الأعلى. ............... (1) بحار الأنوار: ج٤١، ص٢. (2) الكافي: ج١، ص٩٨.