شهيد الكلمة
سلطان عرشه القلوب، وملك تاجه رضا الخالق المحبوب.. غريب يستضيء بغربته كل غريب، ويستوطن فيء أنسه من استوحش من كل قريب، فينشر ضياء حبه في ظلمات الضمائر، ويستكين لطمأنينة حضوره المضطرب الحائر.. هو ذاك غريب الغرباء، وسلطان أهل الأرض والسماء، سيد طوس وحنين النفوس إلى الملك السبوح القدوس، عالم العلماء ونبراس الضياء الذي اشتد حضوره في عالم الوجود حتى غدا الفيصل والفاروق بين عالم الغياب وعالم الحضور، شأنه شأن آبائه، كلما أراد الظالمون أن يطفئوا نوره، ازداد وتوهج: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف:8). إنه أحد المعصومين، وبعضهم وكلهم، وهم مثلما قال جدهم (صلى الله عليه وآله) أولهم محمد، وآخرهم محمد، وكلهم محمد، رحمة للعالمين.. لكنه مع كل ذلك يحمل صفات خاصة تميزه، لا لأن الباري لم يمنحها غيره من المعصومين، بل لأنها كانت أكثر تجليا فيه؛ لظروف موضوعية عاشها وكان له معها حكايا، وبرزت لنا عن طريقها تلك السجايا.. بلى.. ففي اليوم الذي استدعى فيه المأمون العباسي الإمام الرضا (عليه السلام) من مدينة جده إلى مدينته، طوس خراسان، بدأت تنكشف للناظرين تلك الخفايا.. فلم تكن ولاية العهد التي لوح بها الحاكم العباسي القاتل أخاه سوى لعبةٍ من ألعاب الحكم يحاول بها أن يجتذب الغافلين والمبهورين ببهارج سلطانه، ومكيدة ظن أنه سينال بها اعتراف الفئة الناجية بشرعية حكمه وسلطانه، تلك الفئة التي اهتدت بولاية آل محمد (صلوات الله عليهم) فلم تضل، ولم يستطع حاكم قبله أن ينال من عقيدتها الأجل.. استقدم المأمون الإمام (عليه السلام) إلى مقر حكمه، وكانت أول بوادر المكيدة أنه لم يترك له الخيار في القدوم أو عدمه، بل كان رحيله إلزاميا، وكان أول رد للإمام العارف بالخفايا أن وقف في أهله موقفا دعاهم فيه إلى الوداع، وطلب منهم أن يبكوه فقد علم أن رحلته ستكون باتجاهٍ واحد لا عودة بعدها، إلا إلى البارئ الرحيم.. مضى الإمام والحق يمضي في ركابه.. أراد الموكلون بمرافقته من أهل الحكم أن ينتهجوا به سبلا قليلة المارة كي لا يترك أثره الطيب في عدد أكبر من البشر؛ لكنه كان شمسا في ضيائها، لا يكاد يتراءى من بعيد حتى يهرع إليه القاصدون، وغدت طريقه محجة لكل مريد للحق، وتحول المسار إلى صراطٍ مستقيمٍ يهتدي به المهتدون.. ثم كان الوصول، وكان فرض ولاية العهد على الإمام المأمول، فرفض! كان يعلم أن تلك حربة مسمومة يراد بها طعن العقيدة في الصميم؛ لكي يختلط على العوام أمرهم، وكان الحوار الخالد بين الإمام (عليه السلام) وبين المأمون الذي رواه أبو الصلت الهروي، قال: إن المأمون قال للرضا (عليه السلام): يابن رسول الله، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني، فقال الرضا (عليه السلام): بالعبودية لله (عز وجل) أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله (عز وجل)، فقال له المأمون: إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا (عليه السلام): إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك، فلا يجوز أن تخلع لباسا ألبسك الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يا بن رسول الله، لابد لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعا أبدا، فما زال يجهد به أياما حتى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا (عليه السلام): والله لقد حدثني أبي عن آبائه، عن أمير المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني أخرج من الدنيا قبلك مقتولا بالسم مظلوما، تبكي علي ملائكة السماء وملائكة الأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون، ثم قال له: يا بن رسول الله، ومن الذي يقتلك، أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا (عليه السلام): أما إني لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلت، فقال المأمون: يا بن رسول الله، إنما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك ليقول الناس: إنك زاهد في الدنيا، فقال الرضا (عليه السلام): والله ما كذبت منذ خلقني ربي (عز وجل)، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد، فقال المأمون: وما أريد؟ قال: لي الأمان على الصدق؟ قال: لك الأمان، قال: تريد بذلك أن يقول الناس: إن علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة، فغضب المأمون، ثم قال: إنك تتلقاني أبدا بما أكرهه، وقد أمنت سطواتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك، فقال الرضا (عليه السلام): قد نهاني الله (عز وجل) أن ألقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل ذلك على أني لا أولي أحدا، ولا أعزل أحدا، ولا أنقض رسما ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيد مشيرا، فرضي منه بذلك، وجعله ولي عهده على كراهة منه (عليه السلام) لذلك"(1). لقد فوت الإمام الرضا (عليه السلام) بثاقب نظره الإلهي، وسعة علمه الرباني على الشيطان فرصة ظنها مثمرة، لإلباس الحق لبوس الباطل، وإلقاء الشبهات العظيمة على شخصه الكامل، ومع أن الإمام الرضا (عليه السلام) ذهب شهيد الحق كآبائه، شهيد تلك الكلمة الفاعلة الثائرة، إلا أنه كان، ولا يزال، وسيبقى نبراس الحقيقة الواضحة لكل الأجيال الماضية، والحاضرة، واللاحقة، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، ويأذن بخروج حجته الغائب لينشر العدل في الأرض عرضا وطولا، ويظهر الحق على الباطل فيزهقه، إنه كان مأمولا. ................ (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1، ص152.