سيدة النور ..شمس يسطع نورها ليغسل ظلام الشرك
في دروب مكة المكرمة كالشمس يسطع نورها ليغسل ظلام الشرك، وتنثر من أنفاسها إيمانا يحيي القلوب، في لحظاتها الأخيرة تنادي الإحساس، تغادر سيدة النور ويغادر معها ذلك الوجه الذي أشرق بنور الوحي، تتساقط عليه دموع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حارة، كانت تلفظ آخر أنفاسها الطاهرة بين ذراعي من بشرها بالجنة، تسمع بشرى الحبيب: "إن لك قصرا في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب"(1)، في تلك اللحظة كانت يده المباركة تمسح جبينها المتقد، في عينيها البعيدتين يتلألأ وهج الرضا، بينما انعكس في عينيه بحر من الحزن الصامت. لم تكن السيدة خديجة (عليها السلام) امرأة عادية، بل كانت معجزة إلهية أعدت لتتحمل أعباء أثقل رسالة في التاريخ، وفي ذلك اليوم الذي سكن فيه صوتها، لم يفقد النبي (صلى الله عليه وآله) زوجة فقط، بل فقد الوطن الأول للوحي، فقد الحصن الداخلي والقلب الذي كان ينبض بالتصديق حين كذبه الناس، سكن البيت، وسكنت تلك الزاوية التي كانت تشع منها طمأنينة تكفي العالم، لم يعد هناك من يقول صدقت يا رسول الله، فتهون عليه دنيا بأكملها تقول (كذبت)، وكانت أولى خطوات التصديق أن حولت تجارتها التي اتسعت بحكمتها وذكائها إلى رافد يغذي دعوة التوحيد، فكان مالها وقاء للدعوة الفتية وسندا للمستضعفين؛ لتكون بذلك أول من مول الإسلام، لقد كانت القلعة التي تحطمت على أسوارها شكوك قريش، والنبع الذي ارتوى منه الإيمان العطش، ولم تكن قلعتها درعا يصد الأذى فحسب، بل كانت يقينا يذيب الشكوك. بكت مكة كلها ذلك اليوم؛ لكنها لم تعرف أن ما فقدته ليس سيدة من ساداتها فحسب، بل فقدت الأم التي حملت الإسلام في مهده، واليد التي هزت مهد الرسالة حتى ظل النبي (صلى الله عليه وآله) يذكرها بدمع غزير، يذكر ذلك الإيمان الذي لم يتردد، وتلك التضحيات التي لم تهتم للغد، لقد علم أن بعض القلوب تخلق مرة واحدة في الدهر، وأن بعض الأرواح هي مراسي النبوة، وفي تشريف النبي لها بأنها أفضل نساء الجنة، مع ابنته فاطمة ومريم وآسية (عليهن السلام) ليس مجرد تكريم لشخص، بل هو تشريع لمكانة المرأة في الإسلام، وتكريس لدورها العظيم في بناء الحضارات، وقد جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المقدمة، لا لأنها زوجته، بل لأنها نصرت الإسلام قبل أن يعرفه الناس، وكانت النبوة قبل أن تعلن عن نفسها هي التجسيد الحي للإيمان الذي لا يعرف المساومة، والحب الذي لا يعترف بالمستحيل، ومن هنا فإن ذكرى أم المؤمنين خديجة (عليها السلام) ليست استذكارا للماضي، بل إعادة تعريف لدور المرأة على أنها شريكة في صناعة التاريخ بروحها وعقلها ومالها، تكمل دور الرجل ولا تزاحمه؛ لتبني معه صرح الحضارة الإنسانية، إنها درس عملي للمرأة اليوم في الثبات على المبادئ حتى لو خالفت المحيط، تبني بالإيمان قبل الحجر، وتقدم التأييد العملي قبل العاطفي، وأن الإيمان يمكن أن يغير مصير الأمم. لم تكن خاتمة حياة السيدة خديجة (عليها السلام) أمرا عاديا، بل كانت بداية الخلود، علمتنا أن الموت ليس نهاية العطاء، فما نزال حتى اليوم نرتوي من نبع إيمانها، ونتعلم من ثباتها، فهل نستطيع أن نجعل من بيوتنا وعلاقاتنا قلعة حصينة من اليقين؛ لنسير على دربها، ونجعل من إيماننا وتضحياتنا نبراسا يضيء للأمة طريقها؟ رحلت سيدة النور، لكنها تركت سراجها في بيت النبوة يضيء للمؤمنين الطريق، فكل قلب مؤمن صدق كما صدقت، وآمن بالغيب كما آمنت، يرث قطعة من نورها، ويكمل الطريق الذي رسمته بأنفاسها الأولى. فالسلام على أولى المؤمنات يوم ولدت، ويوم رحلت، ويوم تدخل الجنة بغير حساب. ...................... (1) أعيان الشيعة: ج6، ص 312.