رياض الزهراء العدد 228 الملف الخاص
مقامات السيدة الزهراء (عليها السلام) وعظمة ليلة القدر
تعد ليلة القدر من أعظم الليالي في السنة، ليلة ميزها الله تعالى بالخير والبركة وتغيير المقادير، وجعلها خيرا من ألف شهر، ومن رحمته تعالى بعباده أنه أخفى موعدها، فسترها عن الناس لحكمة جليلة تحيي القلوب، وتوقظ الهمم، فإخفاء ليلة القدر إنما هو زيادة في قدرها، فالغيب له هيبته، والمجهول يحرك روح الاجتهاد، ولو أعلن الله سبحانه موعدها صريحا؛ لاقتصر الناس على إحياء ليلة واحدة، ولضعفت صلتهم بالعبادة في باقي الليالي. وهذا يقودنا إلى باب عظيم من أبواب الحكمة الإلهية التي تكشف عن اشتراك الأمور الجليلة في مسألة الإخفاء الذي يقود إلى التعظيم، فإلى أي مدى يمكن أن يفهم عظمة ليلة القدر من إخفائها، مثلما حجب الخلق عن معرفة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهل يكشف هذا الاشتراك في الستر عن دلالات عميقة تتعلق بعظمة المقام؟ إن كل ما جعله الله تعالى في دائرة الغيب كمقامات مولاتنا الزهراء (عليها السلام) وليلة القدر، يحمل رسائل مشفرة، مفادها أن العظمة تكمن في المنزلة الإلهية التي لا يدرك حقيقتها إلا الله تعالى ومن اختارهم سبحانه، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير سورة (القدر) أنه قال: "إن فاطمة هي ليلة القدر، من عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر، وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها، ما تكاملت النبوة لنبي حتى أقر بفضلها ومحبتها وهي الصديقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى"(1). ومن هنا نفهم العلاقة بين إخفاء حقيقة السيدة الزهراء (عليها السلام) وبين إخفاء ليلة القدر عبر المبدأ القرآني، ألا وهو أن الله سبحانه يخفي بعض الأقدار لعظيم أثرها، ليستيقظ وجدان المؤمن نحو معانيها، ونلاحظ ما جاء في سورة (القدر) من أسلوب التفخيم والتعظيم: )وما أدراك ما ليلة القدر( (القدر:2) أي أن حقيقتها فوق إدراك البشر، وكذلك السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) أنه قال: "إنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها"(2)، مما يجعل قدرها في دائرة الغيب الذي لا يدرك سره ولا يحاط بكنهه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وسيدة نساء العالمين"(3)، فهي بضعة الرسول (صلى الله عليه وآله) وروحه التي بين جنبيه، ومع هذه المكانة فإن تفاصيل مقاماتها مجهولة لدى سائر البشر. .................... (1) بحار الأنوار: ج 43، ص65-54. (2) الأمالي للصدوق: ص393. (3) المصدر السابق.