الشهر الفضيل بين أسرتين: النووية والممتدة

مريم حميد الياسري/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 17

انطلقت الحياة البشرية من الأسرة النووية: آدم وحواء (عليهما السلام)، ثم أصبحت ممتدة عبر شرايين الأرض، نتج منهما شعوب توزعت على القارات. تعرف الأسرة النووية على أنها أسرة تتألف من الزوج والزوجة وأطفالهما، وتعد الأسرة النووية مثالية لتربية الأطفال، ويتمتع الأطفال في الأسر النووية بالقوة والاستقرار، ويتاح لهم المزيد من الفرص بشكل عام بسبب السيولة المالية التي يتمتع بها شخصان بالغان، وهي النمط الشائع في معظم الدول الغربية وانتقل إلى الدول العربية، وتتسم بالاستقلالية عن الأهل في المسكن والدخل(1). أما الأسرة الممتدة فهي الأسرة المؤلفة من شخصين بالغين أو أكثر من ذوي الصلة، سواء بالدم أو الزواج، يعيشون في المنزل نفسه، وتضم هذه الأسرة العديد من الأقارب الذين يعيشون معا في المسكن نفسه، وتشمل الأجداد والأعمام والعمات وأبناءهم تحت رئاسة الأب أو كبير العائلة- الجد- وهي منتشرة بشكل كبير في البلدان العربية(2). عندما أتأمل التعريفين أتذكر أني نشأت في أسرة ممتدة، وكنت أرى امتدادها ابتداء من الوشم شذري اللون على يدي جدتي الذي يشير إلى الشجرة في رسمه، وانتهاء بمشاركة الألعاب مع أبناء الخالات والأخوال، لكننا كأننا جميعا انفصلنا من هذه الشجرة، وأتذكر أن طعام الجدة كان شيئا مميزا، كنت أفرح إذا نلت منه ملعقة، كان قدرها الصغير عامرا باللون الأخضر، إذ كان سحورها في أغلب ليالي شهر رمضان هو الأرز بالماش أو الأرز بالباقلاء، وقدر صغير آخر من اللبن الرائب الذي تصنعه بنفسها، ولإحاطة الأحفاد بها لم يك من السهل علي أن أصل إليها أو إلى قدرها، كنت أفرح لو ادخرت لي بعض اللقيمات مما عندها، كأني نلت جائزة نوبل، ومن ثم تجتمع الأسرة من الأخوال والخالات والأبناء والحفدة في حضرة كبير الأسرة، فكنا نرى الشرف في تقبيل يده وتقبيل يد كل كبير من أسرتنا محبة من دون استعلاء، وكنا نفرح إذا كلفنا أحد كبار العائلة بمهمة نقضيها له، حتى إذا كانت كأسا من الماء. تعلمنا أشياء كثيرة من الكبار، كالأدعية، والصلوات، والنوافل، فأصبحنا نفتخر بما تعلمناه، لكن هل بقي الحال مثلما كان عليه منذ عقدين وأكثر؟ صرت انتبه للتغيير الذي حدث للاتجاه نحو الأسرة النووية الصغيرة والعزلة التي دخل فيها الأبناء والأحفاد عن الأقارب والأجداد، فأصبحنا نعد طعاما خاصا للأحفاد عند زيارتهم للأجداد، إذ ما عادوا يستسيغون الطعام التقليدي المنقرض بزعمهم، ولم يعودوا يستمتعون بالحكايا التراثية ذات المفاهيم السامية؛ لأنها لا تثير فضول هذه الأجيال، ولا تمتلك قوة الجذب التي تمتلكها الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. أوجد الانطواء على الذات في الأسر النووية شيئا من الفتور في التواصل، وأدى إلى فرط عقد العائلة الكبيرة التي صارت تجتمع حول المائدة في المناسبات فقط. لسنا بصدد التقليل من دور الأسرة النووية، لكن ينبغي الحفاظ على الاتصال بالأسرة الممتدة، فهو ترجمة حقيقية لصلة الرحم التي حث عليها النبي الأكرم وأهل بيته (صلوات الله عليهم). ................ (1) الإرشاد الأسري والزواجي: ص26. (2) الإرشاد الأسري والزواجي: ص27.