رياض الزهراء العدد 228 إسقاطات ذاتية
الخيط الأبيض
اتصل القلب بالروح، وقامت قيامة النفوس لتتحرر من الأنا السفلية وتدخل المرحلة النورانية، وتفتح بوابات الإعجاز، وتنثر بذور الهبات وتحقيق المطالب في ليلة هي أفضل من ألف شهر. ـ باسمك يا الله نويت أن أصوم يومي هذا وما بعده حتى تمام شهر رمضان. صمت طويل، الذاكرة مزدحمة بكم هائل من الأسئلة، الليل مختلف، في هذه الأيام لا نخاف الليل، فلونه وروحه وقصصه مختلفة، صوت يلاطف الروح ويطمئن من طابت سريرته. طمأنينة لا نراها، ومحبة لا تقال. هذه المرة الليل مرآة لنفسك، يسقط عنك أثقالك في غضون ثلاثين يوما من دون أن تشعري. بخطواته الهادئة وصوته البسيط، يفتح النوافذ من دون أن يطرق الأبواب، كأن رسالته لا تحتاج إلى الدخول، بل يكفي أن يصل إلى السمع والقلب نداء يذكرنا بأن الدقيقة بين السحور والفجر قد تغير يوما كاملا. بهتافات بسيطة تجوب الأزقة وقلبها جامع الحي بأكمله، ينادي كأنه يوقظ فينا شيئا أعمق من الجوع والعطش، فعطر الشهر الفضيل يلازمنا، ينقضي الشهر لكن يبقى شذاه كأنها خلطة سحرية مؤلفة من العطور الفواحة، تتربع في الذاكرة وتحتضن الأرواح، مزيج من الصدقات، ودعاء السحر، ودعاء الإفطار، ودعاء الافتتاح، أما الحكاية فلا تكتمل إلا مع (المسحراتي). خرج ليجوب الأزقة والطرقات بعد أن سارعت إحدى حفيداته إلى تجهيز ملابسه الرمضانية الخاصة، ولشدة شوقه نسي أن يضبط منبه الساعة، ولفرحه الشديد غط في نوم عميق، لكنه استيقظ فجأة مفزوعا، وهرع إلى ملابسه وخرج يوقظ النيام بصوته الدافئ، أحس أن هذه الليلة ليست كباقي ليالي شهر رمضان، فالصمت يملأ الأزقة، والسكون عم المكان، لكنه استمر في رحلته وهو يتمتم: ما بال الناس نيام؟ لقد تغيرت الأجيال وأصبحت تميل إلى الراحة أكثر. استمر في مهمته على عادته، ورجع إلى البيت ليجد أهل بيته نيام أيضا فلمح الساعة الجدارية ليكتشف أنه خرج سابقا موعده بساعتين. ضحك كثيرا من فعله، وقرر أن يخرج للمرة الثانية، لكن في الوقت المناسب!