خطوات الخير في شهر الخير
في شهر تفتح فيه أبواب السماء، وتتهامس الأرواح بالدعاء، يبرز الشهر الفضيل نسيما ربانيا يمر على القلوب المنهكة، فيعيد للنفوس المكسورة يقينها، وفي زحمة الحياة تكمن شيبة وقورة، وجسد لم ينطفئ بداخله بريق الروح، أخذت منها الدنيا مأخذا، لكنها ما تزال تقاوم كدماتها بصبر وبصيرة. طال طريق ذلك الشيخ إلى ذلك مقر تجمع العمال، وأخذ يحدث نفسه والهم يشغل باله، راحت خطواته تسابق بعضها، لكنه في الواقع يسابق زمنه البائس الذي كلفه حمل صغيرين لم يبصرا من الدنيا شيئا سوى أنهما اعتادا أن يغفيا بين أحضانه، يقبل هذا ويلاطف ذاك بابتسامة لم تفارق محياه المصفر. جلس بين صفوف الرجال التي امتدت حتى الفرع الرئيس، راح ينظر إلى الرجل الذي ركن سيارته جانبا ليلتقط من يريدهم كالتقاط العصفور للحبة، فتقدم بشيبته وأخذه إلى جانب آخر كي لا يسمع الآخرون حديثهم، وأمسك يده: بني هلا أمنت لي عملا معهم؟ فقال: يا عم، عذرا لا تنفعنا بشيء. وسحب يده من بين تلك الأنامل وغادر المكان غير مكترث لتلك الشيبة. عاد الرجل الكبير السن إلى منزله والحزن يقضم رأسه، فهم إلى مضجعه الرث وتلك الوسادة التي كادت تتساوى مع الأرض؛ ليسلم نفسه لنوم عميق، يريح جسده المرهق من فرط التعب، حتى انفصل عن عالم الحقيقة ليلتحق بعالم الرؤيا، حيث طرق فيه باب الدار؛ ليفتح لرجل وجدت عليه سمات الهيبة والوقار ووجه ارتسمت عليه ملامح الحزن، ويمد يديه بما أنعم الله سبحانه عليه ليترك الرجل في دوامة السؤال من هذا الذي تبدو عليه ملامح أحد من آل البيت (عليهم السلام)؟ هل هذا علي أم الحسين (عليهما السلام)؟ فكلهم كانوا يطرقون الأبواب، ويطعمون الطعام، لكنه أخذ يراجع صفاتهم، وتذكر إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلطم وجهه وسالت دموعه، حتى أفاق ليتناول رغيف خبز قبيل الأذان، ويرتحل إلى ذلك المكان كعادته، فوصل إلا أنه لم يجد أحدا، تعجب من الأمر، ووقف ينتظر مجيء أحدهم، لكنه فوجئ بشاب نزل من سيارته متجه نحوه سائلا إياه: يا عم، هل لك حاجة؟ - أنا منتظر أحدهم يأتي فيصحبني إلى العمل. - هل من في مثل سنك يعمل؟ ـ بلى. لقد ذهب الشاب لكنه أخذ يتحسس موقعه ورافقه إلى منزله من دون أن يشعر به وتعجب مما رآه، فتوجه إلى أقرب مركز للتسوق ليحمل له أكياسا من الأرز، والدقيق، والشاي، وقناني الزيت، وغيرها، وطرق الباب ورحل، وحين فتح الرجل بابه وجد الخير يتلألأ أمامه، فجلس مذهولا، يردد بصوت يرتجف: ما يزال نهج علي (عليه السلام) بيننا، وما تزال رحمته تسري في قلوب محبيه وشيعته.