زينة البيت والصيام.. كيف يربط الطفل بين بهجة الفانوس ومشقة الصبر؟

خاصّ مجلّة رياض الزهراء(عليها السلام)
عدد المشاهدات : 142

عيون صغيرة تلاحق عقارب الساعة في سكون الظهيرة لا بدافع الملل، بل في اختبار هو الأول من نوعه لإرادة لم تكتمل بعد. يقف الطفل أمام مرآة صيامه، يصارع نداء العطش بابتسامة فخورة، مدركا بفطرته أن القوة لا تكمن في امتلاك الأشياء، بل في القدرة على التخلي عنها طواعية. هذه الرحلة اليومية من الفجر إلى الغروب هي عملية ترميم كبرى تجري داخل تلك الأجساد الغضة، إذ يلتقي انضباط الروح بذكاء الجسد في معمل رمضاني فريد، يحول ساعات الجوع إلى طاقة لبناء الصحة، ويبدل نداءات النفس بصفاء التقوى؛ ليخرج الطفل من هذا الشهر بجسد أنقى، ونفس أصلب، وقلب أكثر سعة للآخرين. وبعيدا عن المعتقد الشائع بأن الصيام قد ينهك القوى الغضة، يكشف الطب وجها آخر مذهلا، ألا وهو أن صيام الطفل تحت إشراف واع يعمل بمنزلة المحرك لتنقية الجسد في ساعات الصيام، إذ تبدأ أجهزة الجسم عملية ترميم داخلية، فيتخلص الكبد من السموم المتراكمة، ويأخذ الجهاز الهضمي استراحة محارب تحسن من كفاءته لاحقا، لكن التأثير الأعمق يكمن في ذكاء الجوع، فالحرمان المؤقت من الطعام يعلم الطفل تقدير النعمة، ويحفز لديه هرمونات النمو والتركيز حين يقترن بنظام غذائي متوازن في السحور والإفطار، مما يجعل من شهر رمضان المبارك معسكرا صحيا سنويا لإعادة ضبط الساعة البيولوجية للطفل. ونتساءل: ما الذي يمنع طفلا في السابعة من العمر من شرب جرعة من الماء وهو وحيد في غرفته؟ إنها الرقابة الذاتية، وهنا تكمن الفائدة السلوكية العظمى، فالصيام يغرس في الطفل بذرة الانضباط التي ستحميه مستقبلا من الانقياد وراء نزواته، فيتحول الجوع في الشهر الفضيل من ألم عابر إلى جسر من التعاطف، فحين يشعر الطفل بقرصات الجوع، يدرك لأول مرة معنى (الجائع)، فتنكسر لديه حدة الأنانية، وتولد روح التراحم، إنه الدرس الذي لا يمكن لأي كتاب مدرسي أن يشرحه ببراعة مثلما يفعل الصيام. ويحذر الخبراء من تحويل الصيام إلى عبء ثقيل عل الطفل، فاتهامه بالكذب إذا تعب وأفطر، أو تهديده بالعقاب الأخروي قد يبني جدارا من الكراهية بينه وبين دينه، فالقاعدة الذهبية هي تشجيع محاولاته، ودعمه في نصف اليوم، وجعل إعداد مائدة الإفطار مغامرة يشارك فيها الطفل؛ ليشعر أن جهده جزء من منظومة العائلة الجميلة. لكي لا يذبل زهر الأطفال في نهار الشهر الفضيل، تبرز وجبة السحور بطلا حقيقيا تحوي الألياف، والبروتينات، وهي الوقود بطيء الاحتراق الذي يضمن بقاء الأطفال في حالة نشاط، ومع غياب شمس النهار، يأتي دور المشروبات الصحية المتنوعة التي تعيد توازن الأملاح المفقودة بلمسة طبيعية. إن شهر رمضان المبارك في حياة الطفل هو مصنع للرجال والنساء، إنه الوقت الذي يتعلم فيه أن الجوع يهزم بالصبر، وأن العطش يروى بالرضا، وأن القوة لا تكمن في العضلات، بل في القدرة على قول (لا) للرغبات من أجل قيمة أسمى. دعونا نجعل من صيام الأطفال رحلة حب لا رحلة تعب، ففي تلك العيون التواقة للإفطار، يبدأ تشكيل جيل يعرف قيمة الانضباط ومعنى الإنسانية.