الشباب والدعاء: كيف نرتقي بلغة القلوب في شهر رمضان؟

أ‌.د. سعاد سبتي الشاوي/بغداد
عدد المشاهدات : 9

يعد الدعاء من أعمق صور التعبير الإنساني، إذ يلتقي فيه العقل والوجدان، ويستدعى فيه الأمل والاحتياج، ويمارس فيه نوع من الحوار الداخلي الذي يتجاوز حدود اللغة المنطوقة، وفي شهر رمضان تتهيأ النفوس لتجربة روحية فريدة، تتطلب إعادة النظر في كيفية تعليم الشباب معنى الدعاء لا بوصفه طقسا دينيا فحسب، بل بكونه ممارسة وجدانية تسهم في بناء التوازن النفسي والروحي لديهم. يواجه الشباب في حياتهم تحديات عديدة، كضغط الدراسة، وتقلب العلاقات الاجتماعية، والتفكير بالمستقبل، والإحساس بالتوتر والوحدة، وصعوبة اتخاذ القرارات، والتعامل مع التوقعات العالية للأسرة والمجتمع، وشعور الشباب أحيانا بعدم فهمهم من قبل المحيطين أو عدم تقديرهم، أو فقدان الدافع في ظل المقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا يصبح الدعاء وسيلة فعالة لتفريغ المشاعر السلبية، وإعادة تنظيم الأفكار وتوجيه الطاقة النفسية نحو أفق أعلى من الذات، وقد أشار القرآن الكريم إلى قرب الله تعالى من عباده: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) (البقرة:186)، وفي ذلك طمأنة للشباب بأن دعاءهم مسموع، وأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة. وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "الدعاء هو العبادة"(1)، فيكشف هذا الحديث جوهر العلاقة الروحية بين الإنسان وربه حين يتحول الدعاء إلى ممارسة وجدانية تلامس أعماق النفس، وتبرز الحاجة إلى تربية الشباب عليه بوصفه تواصلا صادقا، لا مجرد طلب، وتبدأ هذه التربية من الأسرة حين يتلى الدعاء بصدق، وصولا إلى المؤسسات التربوية التي ينبغي أن تقدمه على أنه مساحة حرة للتعبير والتأمل، بعيدا عن التلقين، وقريبا من القلب. وشهر رمضان المبارك بما يحمله من سكينة وتفرغ، يشكل فرصة ذهبية لتعليم الشباب كيف يصغون إلى قلوبهم، وكيف يترجمون مشاعرهم إلى كلمات، من دون خوف من الخطأ أو تردد في التعبير، فالدعاء الحقيقي لا يقاس بجمال العبارة، بل بصدق النية وعمق الإحساس، واستعداد النفس للارتقاء. إن الارتقاء بلغة القلب في الدعاء لا يعني التزيين اللفظي، بل أن نعلم الشباب كيف يكونون صادقين مع أنفسهم، وكيف يجعلون الدعاء جزءا من بنائهم الداخلي، لا واجبا خارجيا يؤدى، ثم ينسى. ...................... (1) اصول الكافي: ج2، ص467.