مقام فوق السماوات

شيرين صلاح آل ضياء الدين/ كربلاء المقدسة
عدد المشاهدات : 6

يشكل معراج النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إلى السماء إحدى الآيات التي خلدها التاريخ؛ لما حملته هذه الحادثة من أبعاد روحية وعقدية. ‏وقد سبقت المعراج حادثة أخرى هي الإسراء، انتقال عجيب بالقياس إلى مألوف البشر، والذي تم بقدرة الله تعالى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهاتان الحادثتان تمثلان خرقا للعادة وليس خرقا للطبيعة، والعادة هي ما جرت عليه سنن الله تعالى في الخلق، فالمعجزة لا تعني تغير الطبيعة، بل تجاوزا مؤقتا لها، وإسراء النبي (صلى الله عليه وآله) ومعراجه كان بروحه وبدنه الشريف كرامة من الله تعالى له، ومعجزة على رسالته ونبوته، ويدل على وقوعهما معا وجوه، منها: 1ـ آية الإسراء نفسها التي ابتدأت بكلمة (سبحان) التي تعني التنزيه، واستعملت في القرآن الكريم للتعجب أيضا. ‏2ـ كلمة (أسرى) وهي قرينه لفظية ظاهرة في العروج بالروح والجسد. 3ـ كلمة (لنريه) في الآية المباركة أيضا ظاهرة بدلالة لفظية في الرؤية العينية الحقيقية. وقد استنكر المشركون معراج النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "فلما أصبحت حدثت به فكذبني أبو جهل والمشركون، وقالوا: أتزعم أنك سرت مسيرة شهرين في ساعة، أشهد أنك كاذب -حاشاه من ذلك- ثم قالت قريش: أخبرنا عما رأيت، فقال (صلى الله عليه وآله): مررت بعير –قافلة- بني فلان، وقد أضلوا بعيرا لهم في طلبه، وفي رحلهم قعب-القدح الضخم أو الغليظ-(1) مملوء من الماء، مررت بعير بني فلان فنفرت بكرة فلان فانكسرت يدها، قالوا: فأخبرنا عن عيرها، قال مررت بها بالتنعيم -مكان يحرم به الحجيج- وبين لها إجمالها وهيآتها، وقال يتقدمها جمل أورق(2) عليه قرارتان محيطتان، ويطلع عليكم عند طلوع الشمس، فخرجوا وجلسوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبوه، فطلعت الشمس فإذا بقائل يقول: والله هذه الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق، فبهتوا ولم يؤمنوا"(3). إنه في معراج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان تشرف الملائكة وسكان السماوات، وتكريمهم بمشاهدته (صلوات الله عليه)، وهذا ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "‏إن الله لا يوصف بزمان ولا يجري عليه مكان، ولكنه عز وجل أراد أن يشرف به ملائكته وسكان سماواته ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه"(4). ‏ومشاهدة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأسرار العظمة الإلهية في أرجاء العالم لاسيما العالم العلوي، يتضح بشكل صريح في الآية الأولى من سورة (الإسراء) في قوله تعالى: سبحان الذي أسرىٰ بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (الإسراء:1)، والآية الثانية من سورة (النجم) في قوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغىٰ۞ لقد رأىٰ من آيات ربه الكبرىٰ (النجم: 17-18) ‏إن أحاديث المعراج متواترة متفق عليها، فهو معجزة ربانية لبيان مقام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: "من كذب بالمعراج فقد كذب رسول الله-صلى الله عليه وآله-"(5). ‏المعراج لا يعد أمرا غير ممكن من جهة معطيات العلوم المعاصرة ولوازمها، لكنه أمر خارق للعادة؛ لذلك قام الدليل النقلي عليه، فينبغي قبوله والإيمان به(6). ....................... (1) معجم لسان العرب..... (2) ما لونه بياض إلى سواد. (3) مجمع البيان: ج٦، ص٣٩٥. (4) التوحيد للصدوق: ص١٧٥. (5) صفات الشيعة: ص١٥٠. (6) مركز الأبحاث العقائدية.....