الصيام بين توجيه المعلم وتساؤلات التلاميذ: كيف نربط الامتثال بالإقناع؟

ضمياء حسن العوادي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 12

يحتل المعلم موقعا فريدا في حياة التلاميذ، فهو ليس مجرد ناقل للمعارف، بل هو الموسوعة التي يلجؤون إليها، والدستور الذي تبنى عليه مفاهيمهم الأولى، وشهر رمضان المبارك، تتجدد أهمية هذا الدور، لاسيما فيما يتعلق بترسيخ الرغبةفي الصيام في نفوس الطلبة المكلفين الذين تتزاحم في أذهانهم الأسئلة عن معنى الصيام وفلسفته، فكثيرا ما يسأل التلاميذ: لماذا نصوم؟ وما فائدة الجوع؟ وما الحكمة من الامتناع عن الطعام والشراب؟ وهذه الأسئلة وإن بدت بسيطة، لكنها تغذيها في أحيان كثيرة الشبهات المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، مما يجعل مهمة المعلم صعبة وضرورية أكثر من أي وقت مضى، فليس المطلوب منه أن يجيب عن أسئلة تلاميذه فقط، بل أن يجيب بمنطق وإيمان ووضوح يجمع بين عمق الامتثال لأوامر الله تعالى، وبين الفهم العلمي الحديث لفوائد الصيام وآثاره. وقبل الخوض في أي تفسير علمي، يحتاج المعلم إلى أن يرسخ في أذهان تلاميذه أن كل أمر إلهي يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما: أولا: اختبار طاعة العبد لخالقه: فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام وسائر المفطرات، بل هو تربية للنفس على الانقياد لأوامر الله تعالى، وإظهار الإيمان المطلق بأن أوامره سبحانه لعباده تحمل الخير، وما نهى عنه يحمل الضرر، فحين يفهم الطفل هذا المعنى يستطيع أن ينظر للصيام بعين الامتثال لا بعين التكليف الشاق. ثانيا: تحقيق المنفعة للعبد: فالله سبحانه وتعالى لا يكلف الإنسان ما لا يطيق، ولا ينهى عن أمر إلا لما يترتب عليه من آثار في صحة الفرد الجسدية والروحية، وكل حكم شرعي إذا تأملنا فيه، فسنجد أثره يظهر إما في منفعة الإنسان أو وقايته من مفسدة. وبهذا التمهيد الإيماني، يستقبل التلميذ المعلومات العلمية بعقل منفتح وقلب مطمئن، فيجمع بين التسليم لأمر الله تعالى وبين الاقتناع، إذ تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى فوائد أخرى للصيام لم تكن معروفة سابقا، ففي دراسة بريطانية حديثة(1) منشورة في دورية (Nutrition Review) أجراها باحثون من مؤسسة (شمال شرق لندن للخدمات الصحية الوطنية) عن فوائد الصيام وتقليل السعرات الحرارية بشكل معتدل، وقد اعتمدت الدراسة على مراجعة (33) دراسة علمية تناولت موضوع الصوم والقدرات العقلية، كانت نتائجها لافتة: (23) دراسة سجلت تحسنا واضحا في الذاكرة العاملة، وسرعة معالجة المعلومات، والقدرة على التحكم في الانفعالات، مثلما أظهرت النتائج أن تقليل السعرات الحرارية بشكل معتدل يؤدي إلى تحسين الأداء الذهني، في حين أن أنظمة الحمية القاسية جدا قد تضعف بعض القدرات العقلية، بخاصة المرونة المعرفية. هذه النتائج تفتح بابا واسعا لفهم الصيام بوصفه منظومة متكاملة، فهو ليس عبادة روحانية فقط، بل ممارسة صحية تعيد تنظيم عمل الدماغ والجسم. -------------------- (1) The impact of continuous calorie restriction and fasting on cognition in adults without eating disorders, Nutrition Reviews, Volume 83, Issue 1, January 2025, Pages 146–159.