باب الرجاء
إنّ التوبة تؤدّي دورًا محوريًا في الإسلام، فمفهومها عميق له أثر بالغ في عملية البناء الروحي والتكاملي للإنسان، وهي وسيلة لتحقيق السعادة الأخروية وبلوغها، إذ وردت آيات عديدة تحثّ المؤمنين على التوبة، فقد ورد في قوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31)، (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُود) (هود:90). إنّ التوبة باب للرجاء الذي له دور مهمّ في إبقاء الحيوية المعنوية في الفرد المسلم؛ لذلك نجد النصوص كتابًا وسنّةً مستفيضة في الترغيب بالاستغفار وطلب التوبة، والاستغفار غير التوبة، كقوله تعالى: (وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود:90)، فالاستغفار هو طلب المغفرة، ويكون باللسان وهو أمر مطلوب، لكنّه غير التوبة، إذ إنّها (حالة نفسانية مؤثّرة في النفس، تصلحها وتعدّها للصلاح ونيل سعادة الدنيا والآخرة)(1)، وهي واجبة وجوبًا شرعيًا بما تدلّ عليه النصوص القرآنية، ويحكم العقل بوجوبها الفوري؛ لأنّ الإنسان إذا أقدم على المعصية وهو بالغ، وعاقل، وعالم بحرمة ما يرتكبه، وغير مضطرّ إليه ولا مجبر عليه، يُعدّ عاصيًا ومستحقًّا للعقوبة، والعقوبة ضرر يحكم العقل بوجوب دفعه، وهو ما لا يحصل إلّا بالتوبة والندم، والعزم على عدم العود مع عدم التراخي في ذلك، بل تجب فورًا لئلا يفوت وقتها، ويكون العبد ممّن لا تُقبل توبته، فقد جاء في قوله تعالى: (وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء:18). وأثر التوبة هو إزالة السيّئات النفسانية التي تجرّ إلى الإنسان كلّ شقاء في حياته الدنيا والأخرى؛ ليرجع بعد التوبة والندم والعزم على الترك في المستقبل نقيّ السريرة، خالٍ من الذنوب ولا يستحقّ العقوبة، ولكن يبقى عليه أنْ يؤدّي ما ضيّع من الواجبات الشرعية عليه، وتبقى ذمّته مشغولة بحقوق الآخرين الذين قد اعتدى عليهم، ولابدّ له من الخروج عن مظالم العباد، إذ ليس للتوبة تأثير إلّا في إصلاح النفس وإعدادها للسعادة الأخروية. .................... (1) الإلهيات: ج4، ص 358.